مقالات

نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس

حسن بن محمد منصور مخزم الدغريري

حسن بن محمد منصور مخزم الدغريري

بسم الله الرحمن الرحيم 

   الحمدلله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وعلى آله وصحبه ، ثمٌَ أمٌَا بعد :

أخي القارئ الكريم : يقول النبي صلى الله عليه وسلم : – نِعمَتانِ مَغبونٌ فيهما كَثيرٌ مِنَ النَّاسِ : الصِّحَّةُ ، والفَراغُ – رواه البخاري في صحيحه ، ولنــــا يا إخواننا القراء مع هذا الحديث الشريف عدة وقفاتٍ مهمة نجملها فيما يأتي :

الوقفة الأولى : أنَّ نعم الله علينا كثيرة ، ومن تلك النعم التي يجب ذكرها ، وشكرها : نعمتا الصحة ، والفراغ ؛ قال الله تعالى : – وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ – إبراهيم – ٣٤ .

الوقفة الثانية : ومن شكر الله عليها استعمالها في طاعة الله تبارك وتعالى ، ومرضاته ؛ واجتناب معصية الله فيها وما يسخطه ؛ وصدق الله تعالى إذ يقول : – وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ – إبراهيم ٧ .

الوقفة الثالثة : أنَّ الكثير من الناس لا يشكرون الله على نعمه ؛ ومنها نعمتا الصحة ، وخاصةً في صفوف الشباب الذين يستعملونها في معصية الله ، ولا يستغلوها فيما يرضي الله :

ولذا يقول أبو العتاهية رحمه الله :

إنَّ الفراغ والشباب والجدة

مفسدة للمرء أي مفسدة

ولهذا أيضاً جاءت النصوص الشرعية بمدح الشباب المقبلين في شبابهم على طاعة الله مع قدرتهم على فعل المعصية ورغبتهم فيها ؛ قال صلى الله عليه وسلمسَبعةٌ يُظِلُّهمُ اللهُ يَومَ القيامةِ في ظِلِّه يَومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّه : إمامٌ عادِلٌ ، وشابٌّ نَشَأ في عِبادةِ اللهِ ، ورَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ في خَلاءٍ ففاضَت عَيناه ، ورَجُلٌ قَلبُه مُعَلَّقٌ في المَسجِدِ ، ورَجُلانِ تَحابَّا في اللهِ ، ورَجُلٌ دَعَتْه امرَأةٌ ذاتُ مَنصِبٍ وجَمالٍ إلى نَفسِها ، قال : إنِّي أخافُ اللهَ ، ورَجُلٌ تَصَدَّقَ بصَدَقةٍ فأخفاها حتَّى لا تَعلَمَ شِمالُه ما صَنَعَت يَمينُه – رواه البخاري ومسلم في صحيحهما ، وقال صلى الله عليه وسلم : – إنَّ اللهَ ليَعجَبُ مِن الشابِّ ليستْ له صَبْوةٌ – أي ليس له ميل إلى الهوى والمعصية مع قوة الرغبة إليها في هذه المرحلة من عمره ؛ والحديث حسنه شعيب الأرنؤوط في تخريجه لمسند الإمام أحمد برقم الحديث 17371 .

الوقفة الرابعة : إنَّ الغبن معناه الشراء بأضعاف الثمن ، أو البيع بأقل من الثمن ، والمراد بالغبن في الحديث هو الهلاك والخسارة ، فشبَّه النبي صلى الله عليه وسلم

المسلم المكلف بالتاجر ، وشبَّه الصحةَ والفراغ برأس المال ، فمن أحسن استخدام رأس ماله وهي هنا الصحة والفراغ نال وربح ، ومن ضيع رأس ماله خسر وندم ؛ عياذاً بالله .

الوقفة الخامسة : أنَّ هذا الحديث يشبه سورة العصر في المعنى ؛ قال الله تعالى : – وَٱلۡعَصۡرِ * إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِي خُسۡرٍ * إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ 

– فمن أحسن استغلال وقته فيما ينفع ويفيد في دينه ، ودنياه ؛ من الإيمان ، والأعمال الصالحة ، والتواصي بها ، والصبر على فعلها ؛ فاز ، وظفر ، ومن أضاع عمره فيما يضر ، ولا ينفع ؛ خاب ، وخسر .

وأنَّ الصحة يا أيها الإخوة : نعمةٌ عظيمة لا يعادلها نعمةٌ فبها يصول العبد ، ويجول ، ويقوم بشؤون دينه ، ودنياه ؛ لذا قالوا : الصحة تاجٌ على رؤوس الأصحاء لا يعرفها إلا المرضى ؛ فالمريض عاجزٌ عن العبادة ، وعاجزٌ عن القيام بشؤونه وشؤون أهله ، وأولاده ، ولذا حثت الشريعة الإسلامية على المرضى ، بالزيارة لهم ، والدعاء لهم ، والقيام على شؤونهم حتى تستعاد له صحته وعافيته ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : – حَقُّ المسلِمِ على المسلِمِ ستٌ : إذا لقيتَهُ فَسلِّمْ علَيهِ ، و إذا دَعاكَ فأجِبْهُ ، و إذا استنصَحَكَ فانصَحْ لهُ ، وإذا عَطسَ فَحَمِدَ اللهَ فَشَمِّتْهُ ، و إذا مَرِضَ فَعُدْهُ ، و إذا ماتَ فاتْبَعْهُ – رواه البخاري ومسلم في صحيحهما .

الوقفة السادسة : إنَّ العاقل البصير من يستغل أوقات فراغه في الأعمال الصالحة من طلب علمٍ شرعي ، أو صلاةٍ نافلةٍ ، أو قراءة قرآنٍ ، أو ذكرٍ لله ؛ أو غيرها من الأعمال الصالحة ؛ التي يدرك فضله ، وأهميته ؛ أهل الايمان ، والإحسان ؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم : – اغْتَنِمْ خَمْسًا قبلَ خَمْسٍ : شَبابَكَ قبلَ هَرَمِكَ ، وصِحَّتَكَ قبلَ سَقَمِكَ ، وغِناكَ قبلَ فَقْرِكَ ، وفَرَاغَكَ قبلَ شُغْلِكَ ، وحَياتَكَ قبلَ مَوْتِكَ – أخرجه ابن أبي الدنيا في قصر الأمل ؛ وصححه الألباني في صحيح الترغيب برقم الحديث 3355 ويقول الإمام البخاري رحمه الله :

‏اغتنم في الفراغ فضل ركوعٍ

‏فعسى أن يكون موتك بغتة

‏كم صحيحٍ رأيت من غير سُقمٍ

‏ذهبت نفسه الصحيحة فلتة

الوقفة السابعة : إذا عجز العبد عن العبادة على الوجه المطلوب بسبب مرضٍ ألمَّ به أو سفرٍ شغله ؛ فإنَّ الله يكتب له الأجر كاملاً ؛ لتلك العبادة التي قام بها ناقصةً ؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم :

إذا مَرِضَ العَبدُ أو سافَرَ كُتِبَ له مِثلُ ما كان يَعمَلُ مُقيمًا صَحيحًا – رواه البخاري في صحيحه .

الوقفة الثامنة : بيان فضل السلف على الخلف في حرصهم على أوقات فراغهم في كل ما يرضي ربهم من الذكر ، والدعاء ، وطلب العلم ، وسائر الأعمال الصالحة ؛ ففي

مصنف بن أبي شيبة وغيره قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : ” إني لأمقت الرجل أن أراه فارغاً لا في شيءٍ من عمل الدنيا ، ولا عمل الآخرة ” وقال أبو الفداء علي بن عقيل رحمه الله في شذرات الذهب

: ” إني لا يحلّ لي أن أضيّع ساعة من عمري ؛ حتى إذا تعطٌَل لساني عن مذاكرةٍ ، ومناظرةٍ ، وبصري عن مطالعةٍ ، أعملت فكري في حال راحتي ؛ وأنا مستطرح ؛ فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره ” وكم هي الأمثلة المأثورة عن السلف رحمهم الله ؛ التي بان لنا فيها قوة إيمانهم ؛ وإقبالهم على الطاعات في جل أوقاتهم ، وعدم إضاعتها فيما لا ينفع أو يضر .

هذه بعض الوقفات المهمة في بيان مفردات هذا الحديث ، وأبرز ما يؤخذ منه من الفوائد والعظات أوردت بعضها دلالةً على غيرها ؛ والله نسأل صلاح أنفسنا واستقامتها ؛ وأن يهب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين ، وأن يجعلنا للمتقين إماما ؛ ونسأله أن يعافينا في أبداننا ، وديننا ، ودنيانا ، وآخرتنا ؛ وأن يتوفانا على الإسلام والسنة ، وأن يحشرنا في زمرة المتقين الأبرار في جنات النعيم ، وأن يقينا عذاب الجحيم ، ووالدينا ، ووالديهم ، وجميع المسلمين ؛ اللهم آمين .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬