مقالات

ليست كل الدرجات أرقامًا

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي

حين يجلس المعلم لتصحيح أوراق الاختبارات، قد تبدو المهمة بسيطة؛ إجابة صحيحة تُمنح درجة، وإجابة خاطئة تُحسم منها درجة. لكن خلف كل ورقة حكاية قد لا يراها أحد، وخلف كل اسم قصة قد لا يعرف تفاصيلها إلا الله.
هناك طالب جاء إلى الاختبار وقلبه في غرفة عناية ينتظر شفاء أم مريضة، وآخر خرج من منزل أنهكته الخلافات والصراخ فلم يذق طعم النوم، وثالث يحمل في صدره ألم فقد أبٍ أو أمٍ أو حبيب، ورابع يعيش قلقًا لا يناسب عمره، يخفيه خلف ابتسامة صغيرة كي لا يراه أحد.

وهناك فئة أخرى لا يتحدث عنها الكثير…
طلاب يعيشون ظروفًا معيشية قاسية رغم أن آباءهم وأمهاتهم موظفون. أثقلت الديون كواهل أسرهم، وتزاحمت الأقساط والالتزامات حتى أصبح توفير المصروف اليومي أو وجبة الإفطار أمرًا صعبًا في بعض الأيام. يخرج الطالب إلى مدرسته متعففًا، يخجل أن يطلب، ويستحي أن يشكو، فيمضي ساعات يومه الطويلة دون طعام أو شراب إلا ما تيسر له.

يجلس بين زملائه وكأنه بخير، يبتسم إذا ابتسموا، ويضحك إذا ضحكوا، بينما يخفي في داخله جوعًا وقلقًا وحزنًا لا يراه أحد. لا يريد أن يحرج والديه، ولا أن يكشف حاجته، فيصمت… والصمت أحيانًا أشد ألمًا من الكلام.
نحن نرى ورقة اختبار، لكن الله يرى قصة كاملة.

نرى خطًا مرتبكًا، ولا نرى اليد التي ارتجفت خوفًا. نرى إجابة ناقصة، ولا نرى الليالي التي قضاها صاحبها بين الهموم. نرى درجة منخفضة، ولا نرى المعارك التي خاضها ليصل أصلًا إلى مقعده الدراسي.

كم من طالب خسر درجات لأنه كان يحارب ظروفًا أكبر من عمره؟ وكم من طالبة أخفت دموعها خلف ابتسامة وهي تحاول التركيز في سؤال واحد؟ وكم من طفل حضر إلى مدرسته بجسد متعب وقلب مثقل وهمٍّ يفوق طاقته؟
لهذا كان أعظم المعلمين ليسوا أولئك الذين يبحثون عن الخطأ فقط، بل أولئك الذين يرون الإنسان خلف الخطأ.
المعلم الحقيقي لا يصنع المتفوقين فحسب، بل يصنع الأمل، ويزرع الثقة، ويمنح الطمأنينة، ويكون في أحيان كثيرة اليد الحانية التي لم يجدها الطالب في يومه الصعب.

قد ينسى الطالب درسًا تعلمه، أو قاعدةً حفظها، لكنه لن ينسى معلمًا احتواه عندما انكسر، أو كلمةً رفعت معنوياته حين أوشك على الاستسلام، أو نظرة رحمة أعادته إلى نفسه من جديد.

إن التعليم ليس أوراقًا ودرجات وشهادات فقط، بل رسالة إنسانية عظيمة تقوم على الرحمة قبل كل شيء.
فارفقوا بأبنائكم الطلاب، والتمسوا لهم الأعذار، فليس كل تقصير إهمالًا، وليس كل ضعف كسلًا، وليس كل درجة منخفضة دليلًا على قلة الجهد.

فخلف بعض الدرجات قلوب متعبة، وخلف بعض الأوراق أرواح تقاوم بصمت.
التعليم قبل أن يكون درجات… هو رحمة. وقبل أن يكون نتائج… هو إنسانية.

وما أجمل أن يغادر الطالب مدرسته يومًا وهو يتذكر أن هناك من آمن به حين عجز عن الإيمان بنفسه.
فالتعليم العظيم لا يُقاس بعدد الناجحين فقط، بل بعدد القلوب التي لم تنكسر في طريقها إلى النجاح.
.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬