مقالات

نحن الذين لا يرانا أحد

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي

ليس أصعب ما في الحياة أن تفقد شيئًا تحبه…
الأصعب أن تفقد أجزاءً منك وأنت تحاول المحافظة على كل شيء من حولك.
أن تستيقظ كل صباح، ترتب فوضى الآخرين، وتخفي فوضاك.
أن تمسح دموع غيرك، بينما روحك تبحث عمن يمسح عنها غبار التعب.
أن تكون السند للجميع، ثم لا تجد كتفًا تتكئ عليه حين يثقل الحمل.
نحن لا نتعب من الحياة كما يظن الناس.
الحياة كانت دائمًا مليئة بالتحديات.
لكننا نتعب من تلك الأشياء التي لا يراها أحد.
من الحروب التي نخوضها داخل صدورنا.
من الكلمات التي ابتلعناها حتى لا نجرح أحدًا.
من الدموع التي جففناها قبل أن يراها أحد.
من الأحلام التي دفناها بصمت لأن الواقع كان أقوى.
نتعب لأننا نبدو بخير أكثر مما ينبغي.
حتى اعتقد الجميع أننا بخير فعلًا.
كم مرة سألك أحدهم: “كيف حالك؟”
فأجبته تلقائيًا: “الحمد لله.”
ثم أكملت يومك وأنت تحمل فوق قلبك ما لو وُزّع على الجبال لأثقلها.
الحقيقة أن أكثر الناس صمتًا ليسوا أقلهم شعورًا.
بل أكثرهم ازدحامًا من الداخل.
هناك أشياء لا نستطيع شرحها.
وجع لا اسم له.
وحزن لا سبب واضحًا له.
وتعب لا يزيله نوم.
وشوق لا ينتهي بلقاء.
نشعر أحيانًا أن أرواحنا تطلب هدنة من كل شيء.
من الركض.من المسؤوليات.من التظاهر بالقوة.من محاولة إقناع العالم أننا بخير.
نحتاج فقط إلى لحظة صادقة…
لحظة لا نكون فيها قدوة لأحد.
ولا سندًا لأحد. ولا مصدر قوة لأحد.
نكون فيها نحن فقط. بكل ضعفنا.وبكل تعبنا.وبكل ما أخفيناه سنوات طويلة.
ولعل أكثر ما يؤلم الإنسان ليس الألم نفسه…
بل شعوره أن أحدًا لا يفهمه.
أن الجميع يرون النتيجة ولا يرون الطريق.
يرون الابتسامة ولا يرون ما خلفها.
يرون النجاح ولا يرون الليالي التي بُني عليها.
يرون القوة ولا يرون عدد المرات التي سقط فيها صاحبها ثم نهض وحده.
ولهذا أصبح كثير منا يكتفي بالصمت.
ليس لأنه لا يملك ما يقوله… بل لأنه تعب من الشرح.
تعب من أن يفتح قلبه ثم يُساء فهمه.
تعب من أن يروي وجعه لمن لا يشعر به.
ومع ذلك…
ورغم كل ما فقدناه. ورغم كل ما أخفيناه. ورغم كل ما كسر شيئًا فينا…ما زلنا نمضي.
نضحك أحيانًا.ونحلم أحيانًا.
ونزرع الأمل في الطرق التي أتعبتنا.
وكأن الله يضع في أعماق كل إنسان شعلة صغيرة لا تنطفئ.
شعلة تخبره أن القادم أجمل.
وأن ما مر به لم يكن عبثًا.
وأن كل دمعة لم يرها أحد، رآها الله.
وكل تنهيدة خرجت من قلبه سمعها الله.
وكل معركة خاضها بصمت كتب الله أجر صبره عليها.
فإن كنت تقرأ هذه الكلمات الآن وتشعر وكأنها تتحدث عنك…
فاعلم أنك لست وحدك.
هناك قلوب كثيرة تشبه قلبك.
وأرواح كثيرة تحمل التعب نفسه.
لكنها ما زالت تقاوم.
وما زالت تؤمن أن بعد هذا الليل الطويل فجرًا يليق بكل ما صبرنا عليه.
فلا تؤذِ قلبك بمحاولة أن تكون قويًا طوال الوقت.
يكفي أنك ما زلت واقفًا…
بعد كل ما كان كافيًا ليسقطك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬