مقالات

اربطوا عوض… وفكّوا التيس

بقلم  الكاتبة: فاطمة عواجي 

بقلم  الكاتبة: فاطمة عواجي 

في حياتنا اليومية تتكرر مواقف كثيرة تجعلنا نتذكر مثلًا شعبيًا طريفًا يقول: “اربطوا عوض… وفكّوا التيس.”

عبارة نرددها ونحن نبتسم، لكنها في الحقيقة تختصر مشهدًا كاملًا من الفوضى البشرية حين يحاول أحدهم إصلاح أمر بسيط… فيجعله أعقد مما كان.

وتعود حكاية هذا المثل إلى قصة شعبية لطيفة.

يُروى أن أبًا كان جالسًا مع أولاده يتعشّون في ليلة هادئة. المائدة أمامهم، والجو بسيط ودافئ، وكل شيء يسير على ما يرام… حتى دخل تيس إلى الغرفة فجأة.

لم يكن التيس يحمل مشروع تخريب كبير، لكنه كان كفيلًا بأن يربك المكان. نظر الأب إليه بسرعة وخشي أن يعبث بالطعام أو يقلب المائدة، فصاح بابنه:

“يا عوض… قم بسرعة واربط التيس!”

نهض عوض مسرعًا، وفي قلبه حماس الابن المطيع الذي يريد تنفيذ الأمر فورًا. لكنه من شدة العجلة لم ينتبه لما حوله. فما إن وقف حتى اصطدم رأسه بالفانوس المعلّق في السقف، فانكسر الفانوس وانطفأ الضوء… وغرقت الغرفة في ظلام مفاجئ.

ومن هنا بدأت القصة تتحول من موقف بسيط… إلى فوضى كاملة.

في الظلام حاول عوض أن يتحرك ليمسك التيس، لكنه وضع قدمه فوق المائدة فانقلب الطعام وتناثر في كل مكان. ارتبك أكثر وقفز ليحافظ على توازنه، فإذا بقدمه تهبط في بطن والده الجالس أمامه!

عندها لم يعد الأب يفكر في التيس أصلًا. فقد أصبح التيس أقل مشكلة في الغرفة.

فصاح غاضبًا:

“خلّوا التيس… واربطوا عوض!”

ومنذ ذلك اليوم صارت العبارة مثلًا يقال حين يتحول الشخص الذي جاء ليحل المشكلة… إلى المشكلة نفسها.

والطريف أن هذه القصة ليست بعيدة عن واقعنا. فكثير من مشكلات الحياة تبدأ صغيرة جدًا، أشبه بتيسٍ دخل غرفة بالصدفة. لكن التسرع، وسوء التصرف، والحماس غير المدروس، قد يحول الأمر البسيط إلى سلسلة من الفوضى المتلاحقة.

كم من قرار اتُّخذ على عجل فزاد الأمور تعقيدًا؟

وكم من شخص اندفع ليصلح أمرًا فترك خلفه مشكلات أكبر؟

الحياة تعلمنا أن الهدوء أحيانًا نصف الحل، وأن فهم المشكلة أهم من القفز نحوها. فليس كل تحرك إصلاحًا، وليس كل سرعة حكمة.

ولهذا بقي المثل الشعبي يبتسم لنا عبر السنين وكأنه يقول:

قبل أن تتحرك لحل المشكلة…تأكد فقط أنك لن تجعل الناس يتركون التيس…ويفكرون في ربطك أنت بدلًا منه!

الصمت لغة العظماء 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬