حين يسبّح السقف… ويخاف الساكن من سجوده

بقلم الكاتبة_ فاطمة عواجي
في كتب الأدب والطرائف العربية حكايات قصيرة، لكنها تحمل من الذكاء وخفة الظل ما يجعلها تعيش في الذاكرة طويلاً. فالكلمة الذكية أحيانًا تضحكنا في لحظتها، لكنها تترك في داخلنا معنى أعمق نتأمله بعد أن تهدأ الضحكة.
ومن تلك النوادر حكاية رجلٍ استأجر دارًا قديمة، فكان يسمع في سقفها كل ليلة أصوات تفرقع وتئنّ كأن الخشب يشتكي تعب السنين. كان الصوت يتردد في سكون الليل فيوقظ قلقه، ويجعله يرفع بصره إلى السقف بين حين وآخر وكأنه ينتظر شيئًا لا يطمئن له قلبه.
لم يطل صبر الرجل، فذهب إلى صاحب الدار وقال له بلهجة فيها شيء من الانزعاج:
“أصلح السقف، فإنه يتفرقع ويصدر أصواتًا تقلقني.”
لكن صاحب الدار، الذي يبدو أنه اعتاد الأمر أو أراد أن يخفف الموقف بكلمة لطيفة، ابتسم وقال مطمئنًا:
“لا تخف… إنه يسبّح.”
فأجابه الرجل سريعًا بذكاءٍ لا يخلو من الدعابة:
“أنا لا أخاف من تسبيحه… لكن أخشى أن تدركه الخشية فيسجد!”
ولو سجد السقف… لسقط!
وهنا تكمن الطرافة التي تجعل القارئ يبتسم، فالجملة القصيرة حملت صورة ساخرة تختصر القلق كله. إنها طرفة بسيطة، لكنها ترسم لنا مشهدًا كاملًا: سقف يتفرقع، وصاحب دار مطمئن أكثر مما ينبغي، ومستأجر يخاف من النهاية المنطقية لذلك السقف إن تُرك بلا إصلاح.
غير أن جمال هذه الحكاية لا يقف عند حدود الابتسامة فقط، بل يحمل بين سطورها شيئًا من الحكمة اللطيفة. ففي حياتنا كثير من “الأسقف” التي نسمع تفرقعها بوضوح: مشكلة مؤجلة، خلل صغير يتسع مع الأيام، أو أمر يحتاج إلى إصلاح لكننا نؤجله بالكلمات المطمئنة.
نقول لأنفسنا أحيانًا: لا بأس… الأمور بخير.
بينما الحقيقة تقول إن بعض الأمور لا يكفي معها الاطمئنان، بل تحتاج إلى معالجة قبل أن تسجد الأسقف فوق رؤوسنا.
ومع ذلك، يبقى للأدب العربي جماله حين يمزج الحكمة بالابتسامة. فالطرائف لم تكن يومًا مجرد تسلية عابرة، بل كانت وسيلة لطيفة لتقديم المعنى دون وعظٍ ثقيل، ولإيصال الفكرة في ثوبٍ خفيف يلامس القلب والعقل معًا.
ولعل أجمل ما نتعلمه من هذه الحكاية أن الضحكة الذكية قد تكون أبلغ من خطبة طويلة. فهي تفتح للقارئ باب التأمل دون أن تثقل عليه، وتذكره بأن خفة الروح لا تعني خفة المعنى.
وهكذا تبقى بعض الكلمات الصغيرة قادرة على أن تمنحنا ابتسامة… وأن تذكّرنا في الوقت نفسه بحكمة بسيطة:
اطمئن كما تشاء، لكن لا تنسَ إصلاح السقف قبل أن يقرر السجود.




