ثلاث مسائل مهمة

حسن بن محمد منصور مخزم الدغريري
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وعلى آله ، وصحبه ، ثمَّ أمَّا بعد :
إخواني معاشر القراء : يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في مقدمة كتابه الأصول الثلاثة ” اعلم رحمك الله : أنَّه يجب على كلِِّ مسلمٍ ومسلمةٍ تعلُّم ثلاث هذه المسائل ، والعمل بهنَّ :
الأولى : أنَّ الله خلقنا ، ورزقنا ، ولم يتركنا هملا ؛ بل أرسل إلينا رسولا ، فمن أطاعه دخل الجنة ، ومن عصاه دخل النار ، والدليل قوله تعالى : – إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شاهِداً عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً * فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلاً – المزمل : 15-16.
الثانية : أنَّ الله لا يرضى أن يشرك معه أحدٌ في عبادته ؛ لا ملَكٌ مقرَّبٌ ، ولا نبيٌّ مرسلٌ ، والدليل قوله تعالى : – وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً – الجن : 18 .
الثالثة : أنَّ من أطاع الرسول ، ووحَّد الله لا يجوز له موالاة من حادَّ الله ورسوله ، ولو كان أقرب قريب ، والدليل قوله تعالى : – لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ – المجادلة : 22 ” انتهى كلامه رحمه الله .
إخواني القراء الكرام : نأخذ من هذه المسائل الثلاث التي أوردها الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله عدة فوائد نجملها في الأرقام التالية :
١– أهمية العقيدة الصحيحة في حياة كلِّ مسلمٍ ومسلمةٍ ، ووجوب معرفتها ، والعمل بها ، ودعوة الناس إليها بالتي هي أحسن .
2– من مسائل العقيدة التي يجب معرفتها : الإيمان بتوحيد الربوبية ؛ وهو إفراد الله بأفعاله من الخلق ، والرزق ، والتدبير لهذا الكون بما فيه من مخلوقاتٍ علويةٍ وسفلية .
3– أنَّ هذه المخلوقات التي في عالم الأرض والسماء ؛ أوجدها الله تبارك وتعالى لأنَّه الخالق لها ، والرازق لها ، والمتصرف فيها كيف يشاء ؛ وأنَّها لم توجد صدفةً بدون موجدٍ لها ؛ وهي بهذا النظام البديع المتسق ، وصدق الله تعالى إذ يقول : – اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ – الزمر : 62-63 ولمَّا سمع جبير بن مطعم رضي الله عنه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقرأ سورة الطور ، فبلغ قوله تعالى : – أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ – الطور : 35-37 يقول جبير بن مطعم رضي الله عنه : – كاد قلبي أن يطير ، وذلك أوَّلَ ما وقر الإيمان في قلبي – رواه البخاري في صحيحه .
4– رزق الله لعباده من طعامٍ ، وشرابٍ ، وغنىً ، وصحةٍ ، وإيمانٍ ، وغيرها ، والتي لا يستغني عنها أحدٌ من خلقه كائناً من كان ، وصدق الله تعالى إذ يقول : – يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ – فاطر : 15 وقال تعالى : قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ – سبأ : 24 وقال صلى الله عليه وسلم : اللهم إني أسألك من فضلك ورحمتك ، فإنَّه لا يملكها إلا أنت . رواه الطبراني في المعجم الكبير ، وصحح الحديث الألباني في السلسلة الصحيحة برقم 1543 وقال صلى الله عليه وسلم : – اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين ، وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت – رواه أحمد في مسنده ، وحسنه الألباني في صحيح الجامع برقم 3388 .
5-قد استدل المؤلف رحمه الله بتوحيد الربوبية من الخلق ، والزرق ، والتدبير لهذه المخلوقات ؛ على وجوب الإيمان بتوحيد الألوهية ؛ وأسماءه وصفاته ؛ وأنَّ جميع أنواع التوحيد الثلاثة متلازمة لاينفك بعضها عن بعض في شريعة الإسلام ؛ قال الله تعالى : – وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ – الذاريات : 56 -58 ، وقال تعالى : – أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيْم – المؤمنون : 115 – 116
6- ومن رحمة الله تبارك وتعالى أنَّه لم يتركنا هملاً بلا نبيٍّ يعلِّمنا ، ولا عالمٍ بشريعة الله يرشدنا ؛ بل أرسل لنا ربنا رسلاً مبشرين ، ومنذرين ؛ وأنزل عليهم كتباً إلهيةٍ – لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ – البقرة : 165 .
وأنَّ خاتم الرسل ؛ الذي يجب اتباعه ، والإيمان به هو نبينا محمد بن عبد الله صلوات ربي وسلامه عليه ، فمن أطاعه دخل الجنة ، ومن عصاه دخل النار ؛ قال صلى الله عليه وسلم : – كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ : مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى – رواه البخاري في صحيحه ؛ فيجب أن نعتقد أنَّه لا نبي بعده صلى الله عليه وسلم ، وإنَّما بعده علماء إسلامٍ في كلِّ عصرٍ ومصرٍ ، يبينون للناس دين الله ، وما جاء في كتاب ربهم ، وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم بفهم أسلافهم الصالحين من الصحابة والتابعين لهم بإحسانٍ ؛ قال الله تعالى : – وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ – النحل : 43 وقال صلى الله عليه وسلم : – وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا ، وَلَا دِرْهَمًا وَرَّثُوا الْعِلْمَ ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ – رواه أبو داود في سننه ، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم 2117 .
7- أنَّ الله لايرضى أن يشرك معه أحدٌ في عبادته لا ملكٌ مقربٌ ، ولا نبيٌّ مرسلٌ ؛ فضلاً عمَّن دونهم خَلْقاً ومكانةً ، ولذا كان الشرك بالله أعظم أنواع الظلم على الإطلاق ؛ إذ كيف ربنا يخلق عباده ، ويرزقهم ، ويدفع عنهم ما يضرهم ، ويجلب لهم ما ينفعهم ، وهم يعبدون غيره ، ويصرفون لغيره ما لا يستحقه إلاَّ الله من أنواع العبادات من صلاةٍ ، ودعاءٍ ، وذبحٍ ، وغيرها ، ولذا رتب الله على الشرك بالله عقوباتٍ عظيمةٍ في الدنيا والآخرة ؛ منها ما جاء في قول الله تعالى : – وَقالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ – المائدة : 72 وقال تعالى : – حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ – الحج : 31 وقال تعالى : – إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً – النساء : 48 .
فاحذروا يا إخواننا القراء من الشرك صغيره وكبيره على أنفسكم ، وأهليكم ، ومجتمعاتكم تفوزوا وتفلحوا يوم المعاد .
8– إنَّ الولاء ، والبراء ، والحب في الله ، والبغض فيه ؛ من أصول ديننا الإسلامي ؛ والذي يجب اعتقاده ، ومعاملة الناس على مقتضاه ؛ قال الله تعالى : – لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ – المجادلة : 22 وقال صلى الله عليه وسلم : – من أحب لله ، وأبغض لله ، وأعطى لله ، ومنع لله ؛ فقد استكمل الإيمان – رواه أبو داود في سننه ، وصحح الحديث الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم 380 ، فاللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْإِيمَانَ ؛ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا ، وَكَرِّهْ إِلَيْنَا الْكُفْرَ ، وَالْفُسُوقَ ، وَالْعِصْيَانَ وَاجْعَلْنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ ؛ اللهم توفنا مؤمنين ، وأحينا مُسْلِمِينَ ، وَأَلْحِقْنَا بِالصَّالِحِينَ ، غَيْرَ خَزَايَا ، وَلَا مَفْتُونِينَ ؛ اللهم وفق إمامنا إمام المسلمين ، وخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز لما تحبه وترضاه ، وارزقه الصحة والعافية ، والتوفيق والتسديد ، وأعنه بولي عهده الأمين ؛ الأمير محمد بن سلمان ؛ لما فيه صلاح الدنيا والدين ، وسائر ولاة أمور المسلمين في كل مكان يا رب العالمين ، اللهم احفظ علينا ديننا ، وأمننا ، ومقدساتنا ، وقيادتنا ، ورجال أمننا ، والخيرات في بلادنا من عدوان المعتدين ، وصلف البغاة الظالمين ، اللهم من أراد بلادنا السعودية بسوء ، أو غيرها من بلدان المسلمين بشر ، فأشغله في نفسه ، وردَّ كيده في نحره يا سميع الدعاء ، وآتنا في الدنيا حسنة ، وفي الآخرة حسنة ، وقنا عذاب النار ، ووالدينا ، ووالديهم ، وجميع المسلمين إنَّك أنت التواب الرحيم . اللهم آمين .




