بين التباهي بالإفطار… وغياب روح العبادة

بقلم الكاتبة _ فاطمة عواجي
يأتي رمضان كل عام ليعيد ترتيب قلوبنا قبل موائدنا، وليذكّرنا أن الصيام ليس جوعًا وعطشًا فحسب، بل تهذيبًا للنفس، وكسرًا للشهوة، وإحياءً لمعنى العبودية في داخلنا. لكننا – مع الأسف – نرى مشاهد مؤلمة تُفرغ الشهر من معناه، حين يتحول الإفطار من عبادة شكرٍ وامتنان إلى ساحة استعراض وتفاخر.
بعض الناس يتباهى بصور الموائد العامرة، وكثرة الأصناف، وتنوع الأطباق، وكأن الفضل في حجم الطعام لا في حجم الخشوع. تُنشر الصور، وتُقاس المكانة بعدد الصحون، ويُختزل الكرم في مظاهر لا روح فيها. ثم ينتهي المشهد بأكياس ممتلئة تُرمى في الحاويات، وبقايا طعام تكفي أسرًا كاملة، تُهدر بحجة:_لا يوجد من يأخذه._
وهنا يكون العذر أقبح من الذنب.
إن كان لا يوجد من يأخذ، فلماذا طُهي ما يزيد عن الحاجة؟
أليس الأولى أن يُطبخ على قدر عدد الأسرة؟
أليس الاقتصاد في الطعام أقرب للتقوى من المبالغة فيه؟
أليس وضع وجبات بسيطة عند أبواب المساجد، أو التنسيق مع الجمعيات الخيرية، أكرم وأبقى أثرًا؟
في أحيائنا جائعون لا يُظهرون حاجتهم، وأسر تتعفف عن السؤال، وعمال ينتظرون وجبة تسد رمقهم بعد يوم شاق. كم من صائم لا يجد إلا التمر والماء، بينما تُرمى في مكان آخر أطباق لم تُمس. أيُّ تناقض هذا؟ وأيُّ قلبٍ يطمئن وهو يرى نعمة الله تُهان؟
رمضان ليس شهر الامتلاء، بل شهر الامتلاء بالله.
ليس شهر التنافس في الأكل، بل التنافس في العطاء.
ليس شهر الصور اللامعة، بل شهر القلوب اللامعة.
والأخطر من التباهي بالمأكل والمشرب والمسكن… التباهي بترك العبادة، أو السخرية من الأذكار، أو الاستهزاء بمن يحرص على الطاعة. نسمع من يقول:-_الدين يسر، لا تشددوا_، لكنه لا يقصد اليسر، بل يقصد التخفف من كل التزام. ونرى من يتباهى بسهره ولهوه، وكأن ترك القيام إنجاز، وكأن الغفلة بطولة.
أيُّ فخرٍ في أن نُظهر ضعفنا؟
وأيُّ رفعةٍ في أن نقلل من شأن العبادة؟
العبادة ليست تشددًا، بل شرف. والذكر ليس مبالغة، بل حياة للقلب. ومن أراد أن يعيش رمضان بحق، فليبحث عن موضع قدمٍ له في ميزان الرحمة: ركعة خاشعة، صدقة خفية، وجبة تصل لجائع، كلمة طيبة تواسي محتاجًا.
فلنراجع أنفسنا قبل أن نراجع موائدنا.
ولنسأل: هل نطهو لنُشبع بطوننا فقط، أم لنُرضي ربنا؟
هل ننشر صور الطعام، أم ننشر أثر الخير؟
رمضان فرصة قصيرة…
إما أن نملأها بالبذخ والمظاهر، أو نملأها بالذكر والبركة.
إما أن نُثقل ميزان النفايات، أو نُثقل ميزان الحسنات.
اللهم اجعل موائدنا عامرة بالاعتدال، وقلوبنا عامرة بالخشوع، وأيدينا ممتدة بالعطاء، ولا تجعلنا من الذين ضيّعوا المعنى وهم يظنون أنهم أحسنوا صُنعًا.


