مقالات

التقويم التربوي بين الكمي والكيفي: آفاق جديدة نحو قياسات متعددة أكثر دقة وموضوعية 

بقلم : د. عبير علي بدوي 

بقلم : د. عبير علي بدوي 

يُعَدّ التقويم التربوي حجر الزاوية في منظومة التعليم، إذ يمثّل الأداة التي يمكن من خلالها الحكم على جودة العملية التعليمية ومدى تحقق أهدافها. وعلى الرغم من التطور الكبير في أساليب التقويم، ما تزال بعض الاتجاهات الحديثة لا تحظى بالاهتمام الكافي، رغم قدرتها على إحداث نقلة نوعية في جودة التقويم. من بين هذه الاتجاهات: التقويم القائم على الكيف والتقويم متعدد القياسات، واللذان يشكّلان معاً توجهاً حديثاً يهدف إلى تقديم صورة أكثر شمولاً وعمقاً لأداء المتعلم ومخرجات النظام التعليمي.

أولاً: التقويم القائم على الكيف

التقويم القائم على الكيف “أو التقويم النوعي” هو أسلوب تقويمي يعتمد على الوصف والتفسير والتحليل النوعي لسلوك المتعلم وأدائه داخل السياقات التعليمية، بدلاً من الاقتصار على الأرقام والنتائج الكمية. يركز هذا النوع من التقويم على فهم الظاهرة التعليمية بعمق، ويفتح المجال لدراسة الجوانب الإنسانية والمعرفية والانفعالية التي يصعب قياسها بالاختبارات التقليدية.

برز هذا الاتجاه مع تنامي النقد الموجَّه للأساليب الكمية التي كانت مهيمنة خلال الستينات، حيث انتشرت الفلسفة الإيجابية الوضعية التي مجّدت الموضوعية والبحث التجريبي، واعتمدت على أدوات القياس الكمي في تحليل المتغيرات التربوية. إلا أن هذه الفلسفة أغفلت العديد من الجوانب الإنسانية والمعرفية التي يصعب حصرها بالأرقام وحدها، مثل الاتجاهات والقيم والدوافع وأنماط التفاعل داخل البيئة التعليمية. ومع بداية السبعينات ظهر التوجه التفسيري الذي تبناه علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا، داعماً لظهور البحوث النوعية التي تعتمد على الملاحظة والتحليل الوصفي والتفسير العميق للسلوك التعليمي. وعلى الرغم من ذلك، واجهت المناهج الكيفية انتقادات من أنصار التقويم الكمي الذين اعتبروا أنها أقل دقة وأكثر ذاتية، مما جعل الكثير من المتخصصين يستمرون في الاعتماد على الأساليب الكمية وحدها.

ثانياً: التقويم متعدد القياسات

مع تطور التكنولوجيا التربوية، ظهر مفهوم التقويم متعدد القياسات، وهو اتجاه يقوم على استخدام أكثر من أسلوب أو مؤشر واحد في إصدار الحكم على مخرجات التعليم. ويتميّز هذا النوع من التقويم بالعديد من الفوائد أهمها:

• إضفاء الدقة والموضوعية على الحكم التربوي، من خلال مقارنة نتائج أدوات متعددة.

• القدرة على تقويم الأنشطة المعرفية المعقدة التي لا يمكن تقييمها بأسلوب واحد.

• الإسهام في حل المشكلات الفنية المتعلقة بتقويم الأداء في مواقف التعلم المتكاملة.

• المساعدة في معالجة قضايا اختيار العينات عند تقييم الأداء بشكل عام.

• إتاحة فرصة لاستخدام تنوع واسع من الأدوات والأساليب التي ترفع من موثوقية برامج التقويم وجودتها.

• إن هذا التوجه يفتح الباب نحو منظومة تقويم شاملة قادرة على قراءة أداء المتعلم بصورة متكاملة، تجمع بين الأرقام من جهة، والتحليل النوعي العميق من جهة أخرى.

لقد أصبح من الضروري اليوم إعادة النظر في الأساليب التقليدية للتقويم، والانفتاح على الاتجاهات الحديثة التي توازن بين الدقة الكمية والعمق الكيفي. فالتقويم القائم على الكيف والتقويم متعدد القياسات ليسا مجرد بدائل، بل هما استجابة طبيعية لتطور العملية التعليمية وتعقّد متطلباتها. وفي ضوء الحاجة الملحّة إلى تقويم أكثر شمولاً وواقعية، فإن اعتماد هذه الاتجاهات يعد خطوة مهمة نحو تحسين جودة التعليم وبناء منظومة أكثر قدرة على دعم المتعلم وتحقيق أهداف التعليم الحديث.

منهجيات معالجة البيانات المفقودة ودورها في تعزيز تحسين جودة النتائج البحثية

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬