هكذا تدار البدايات المهنية

بقلم الكاتبة : حنان سالم باناصر
حين يدخل الموظف الجديد إلى بيئة العمل، يكون محمّلًا بالحماس، والقلق، والتساؤلات غير المعلنة. يراقب المكان، يقرأ الوجوه، ويحاول أن يفهم القواعد غير المكتوبة قبل المكتوبة. وفي هذه اللحظة تحديدًا، تتشكل تجربته الأولى، إمّا أن تكون بوابة للاندماج والإنتاج، أو بداية لترددٍ وصدامٍ صامت.
التفويض المباشر، ولا على المحاسبة المبكرة، بل يمر بثلاث مراحل أساسية متتابعة: التعليم، ثم التدريب، ثم التفويض. تجاوز أي مرحلة منها يخلق فجوة لا تظهر فورًا، لكنها تنعكس لاحقًا فيكثير من الإدارات تخطئ حين تتعامل مع الموظف الجديد بعقلية “سيعرف مع الوقت”، أو “دعه يتعلم بنفسه”، بينما الحقيقة أن الأداء لا يُترك للصدفة، بل يُبنى بمنهج واضح يبدأ من اليوم الأول.
التعامل المهني مع الموظف الجديد لا يقوم على شكل أخطاء، ضعف التزام، أو تراجع في الثقة.
في مرحلة التعليم، يكون الموظف متلقيًا خالصًا. هنا لا مجال للافتراض ولا للاختصار المخل. المطلوب أن يتعلم كل شيء وبالتفصيل: طبيعة العمل، آلياته، السياسات، اللوائح، التسلسل الإداري، وحدود الصلاحيات. التعليم في هذه المرحلة ليس ترفًا إداريًا، بل هو الأساس الذي يُبنى عليه كل أداء لاحق. أي نقص في التعليم سيتحول لاحقًا إلى خطأ، وأي غموض سيتحول إلى اجتهاد غير محسوب.
بعد ذلك ينتقل الموظف إلى مرحلة التدريب، وهي المرحلة التي يُساء فهمها كثيرًا. في التدريب، من الطبيعي بل المتوقع أن يخطئ الموظف، وقد تكون نسبة الخطأ عالية في بدايتها. الخطأ هنا ليس فشلًا، بل جزء من عملية التعلم. لذلك، دور المشرف في هذه المرحلة لا يكون العقاب ولا التضييق، بل الاحتواء، والتصحيح، والتوجيه.
وفي هذه المرحلة تحديدًا، لا بد من وجود مراقبة أداء حقيقية، واجتماعات دورية متقاربة – يومًا بعد يوم أو بشكل منتظم – لمراجعة ما تم إنجازه، وتحليل الأخطاء، وشرح البدائل الصحيحة، وتعزيز الجوانب الإيجابية. هذا الحوار المستمر يحوّل الخطأ إلى أداة تعلم، ويبني الثقة بدل الخوف.
وحين يصل التدريب إلى مرحلة تقل فيها الأخطاء أو تكاد تنعدم، ويصبح الأداء مستقرًا ومفهومًا، يبدأ الانتقال الطبيعي إلى مرحلة التفويض. التفويض هنا لا يعني الغياب، بل يعني نقل المسؤولية بوضوح. يُعطى الموظف اللوائح، والتوجيهات، والتكليفات بشكل صريح ومحدد، مع وضوح التوقعات والنتائج المطلوبة. التفويض السليم لا يأتي مبكرًا، ولا يُمنح دون إطار، لأنه إن تم قبل أوانه تحوّل إلى عبء، وإن أُحسن توقيته أصبح علامة نضج إداري.
الإدارة الواعية لا تسأل: لماذا أخطأ الموظف الجديد؟
بل تسأل قبل ذلك: هل علّمناه جيدًا؟ هل درّبناه بما يكفي؟ وهل فوّضناه في الوقت المناسب؟
ولأهمية هذا الموضوع وتأثيره المباشر على جودة الأداء واستدامته، بدأت المنشآت الحديثة والإدارة المعاصرة تولي اهتمامًا متزايدًا بتجربة الموظف الجديد منذ لحظة انضمامه. فلم يعد الأمر اجتهادًا فرديًا أو مسؤولية مدير مباشر فقط، بل أصبح جزءًا من منظومة مؤسسية متكاملة.
ولهذا خصصت العديد من المنشآت أقسامًا أو وحدات ضمن إدارات الموارد البشرية تُعنى بـ تجربة الموظف الجديد، تهدف إلى ضمان انتقاله المنهجي من التعليم إلى التدريب ثم التفويض، وتوفير بيئة داعمة تقلل الأخطاء، وترفع الانتماء، وتسرّع الوصول إلى الأداء الفعّال.
فالتجربة الأولى للموظف ليست تفصيلًا إداريًا، بل حجر الأساس الذي يُبنى عليه التزامه، وإنتاجيته، واستمراريته داخل المنظمة


