بين تربية النفس في “القرآن الكريم” وبناء النفس عند “فرويد”

بقلم: د. مشاعل الغفيلي
من “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ” إلى “فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي”
لقد أخبرنا القرآن كيف خلق الله تعالى الإنسان من مادةٍ وروح؛ فبعد أن مرَّ التراب بمراحل من التكوين: من ترابٍ إلى طينٍ إلى حمأٍ مسنونٍ إلى صلصالٍ كالفخّار، نفخ الله تعالى فيه من روحه، فخلق آدم عليه السلام.
ومعنى “مِنْ رُوحِي” التشريف والإضافة إلى الله إضافةَ تكريمٍ لا إضافةَ تجزئة؛ بما يدلّ على السموّ والعلوّ، والاستعداد لتحقيق معالي الأمور، وتحديد الغاية العليا في الحياة ورسم المنهج. وبذلك تُضاف إلى بشريّة الإنسان منظومةُ قيمٍ ومعارف تُرسّخ حقيقةَ تكريمه الإلهي.
———————-
“وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا”
في القرآن الكريم تُقدَّم النفس بوصفها كيانًا حيًّا يتقلّب بين مراتب ودوافع، ويخضع لمسارٍ أخلاقي وروحي يقوم على الاختيار والمجاهدة والتزكية؛ فتظهر النفس الأمّارة بالسوء حين تطغى الشهوة والهوى، وتنهض النفس اللوّامة كصوتٍ داخلي يوقظ الضمير ويحاسب، ثم تتجلّى النفس المطمئنة بوصفها حالة سكينةٍ تنبع من الاستقامة واليقين.
ومن جهةٍ أخرى، قدّم فرويد بعد قرون قراءةً نفسية مختلفة، ترى النفس منظومةً من قوى متفاعلة تُدير التوتر بين الرغبة والواقع والمعايير: الهو يمثل اندفاع الغرائز ومبدأ اللذة، والأنا يتولّى تحقيق التوازن والتكيّف مع الواقع، بينما الأنا الأعلى يجسّد الضمير والمعايير التي يكتسبها الإنسان عبر التربية والمجتمع.
وبين الرؤيتين تتقاطع أسئلةٌ كبرى حول صراع الدوافع ومعنى المسؤولية الإنسانية، لكن التقاطع هنا هو تشابه في العموم واختلاف في المضمون فالقرآن يجعل الغاية تهذيب النفس وارتقاءها نحو الطمأنينة في سياق الهداية والأخلاق وعلاقة الإنسان بالله، ويؤكد مسؤولية الاختيار بين الخير والشر ضمن منظومةٍ أوسع تشمل القلب والعقل والروح والإرادة. أمّا التحليل النفسي فيركّز على فهم البنية والصراع وكيف تُدار التوترات الداخلية بوصفها طريقًا إلى الاتزان.
وهكذا، لا تهدف المقارنة إلى المساواة بين المنهجين، بل إلى فتح نافذةٍ لفهم الإنسان بين تربية النفس وتحليل النفس، وبين السكينة كغايةٍ روحية والاتزان كحلٍّ نفسي.
——————
بينَ النَّفْسِ والأنا
في القرآن الكريم تمثّل النفس المطمئنة سكينةً وثباتًا واتزانًا؛ إذ تتحقق الطمأنينة حين يغلب الإنسان أهواءه ويقود رغباته ضمن توازنٍ يُنصف الجانب الروحي والبدني.
وعند فرويد، تقوم الأنا (Ego) بدور الإدارة والتنظيم؛ فهي تمسك بزمام الدوافع وتوازن بينها وبين شروط الواقع وفق مبدأ الواقع، فتسمح بإشباع الغرائز في حدودٍ ممكنة ومقبولة اجتماعيًا.
وفي المقابل تظهر النفس الأمّارة بالسوء بوصفها ميلًا داخليًا للرغبات والشهوات حين يغيب التهذيب والانضباط؛ لكنها ليست قدرًا محتومًا، بل مسؤولية أخلاقية تستدعي المجاهدة والتزكية.
ويقابلها عند فرويد الهو (Id) الجزء الأقدم والأكثر بدائيةً واللاواعي، وهو مخزون الدوافع الغريزية الذي يحكمه مبدأ اللذة؛ يطلب الإشباع فورًا من دون اعتبارٍ للقيم أو العواقب.
أما النفس اللوّامة فهي مرتبةٌ وسطى بين الأمّارة بالسوء والمطمئنة؛ تُحاسب وتُراجع وتُجاهد، وقد تضعف وتقوى. وهي مرتبطة بمنظومة الحلال والحرام والخير والشر، حيث يعمل الضمير رادعًا عن الذنب، ويقود إلى الرجوع والاستغفار والتوبة.
ويقابل هذا عند فرويد الأنا العليا (Superego)، لكنها في تصوره تتشكّل أساسًا من مؤثرات دنيوية مثل البيت والمدرسة والثقافة المحيطة، لتغدو سلطةً داخلية آمرةً ناهيةً تراقب وتحاسب، وتمثل ما يراه فرويد مثلًا أعلى في الطبيعة الإنسانية.
وبهذا يظهر التقاطع بين المنهجين في وصف الصراع الداخلي وآليات الضبط، مع اختلافٍ جوهري في المنطلق والغاية فالقرآن يوجّه الصراع نحو تهذيب النفس والطمأنينة، بينما يركّز التحليل النفسي على إدارة التوتر الداخلي للوصول إلى قدرٍ من الاتزان.



