مقالات

ميزان الإنصاف في تقييم الاداء

بقلم : د. مشاعل الغفيلى

بقلم : د. مشاعل الغفيلى

من اداء الموظف إلى الاداء المؤسسي

نظام تقييم الأداء الذي تبناه جاك ويلش والذي يستند إلى فكرة أن أغلب الموظفين يتمركزون في منتصف الأداء، بينما يظهر التميز والقصور في الأطراف بنسب محدودة. وقد ترجم جاك ويلش هذا المنطق إلى نموذج 20–70–10 الذي صنّف الموظفين إلى ثلاث فئات: أعلى 20% من أصحاب الأداء المتميز، و70% يمثلون قلب المنظمة ويحتاجون إلى التطوير، و10% من ذوي الأداء المتدني الذين أوصى بخطط ومعالجة تطوير قوية لتعزيز الحيوية التنظيمية.

رغم جذوره الإحصائية ومنطقه الإداري وتغيير النسب وفقا للمتطلبات أثار المنحنى الاجباري الجدل كونه نموذج يتم بموجبه تقييم الموظفين بمقارنة الموظف بزميله بمعايير لم تدخل ضمن المعايير الحقيقية في ميثاق الاداء لا تمت بصلة للمنهجية المعتمدة انما هي معايير لم ينزل الله بها من سلطان ولم تكتب في الميثاق هي معييار كارثية لثقافة المنظمة والعداله التنظيمية وعلاوة على ذلك لم تنجح في تحسين الأداء بل جاء الاثر بسلبية على العلاقات بين الموظفين وادخل المدراء في دوامة حرج ومسئولية تتطلب وعيًا دينيًا وإداريًا عاليًا وسياقًا تنظيميًا ناضجًا لتجنّب الأثر العكسي على الموظف والمنظمة بشكل عام .

تتفق جميع كتب الإدارة الحديثة على أن إدارة الأداء تقوم على أربعة محاور أساسية ( بناء الاهداف ، والتغذية الراجعة، التدريب والتطوير المستمر والمكافأة ) غير أن ما يحدث هو التركيز على المحور الأول فقط( بناء الاهداف ) وفي بداية السنة كإجراء روتيني إداري يُستكمل نهاية العام ويُطوى في الأدراج بلا أثر يُذكر.

من المعروف ان أداء الموظف جزءًا من الأداء المؤسسي، ويصبح تقييمه انعكاسًا مباشرًا لمساهمته في تحقيق النتائج الاستراتيجية لذا تبدأ أهداف الموظف من أهداف المنظمة، ولا تُكتب بمعزل عنها على مستويات مترابطة تبدأ بالرؤية مرورًا بالأهداف الاستراتيجية ثم تترجم الى مؤشرات أداء، ثم تتحول هذه المؤشرات إلى أهداف تشغيلية للإدارات، ومنها إلى أهداف ذكية للموظفين يسهم هذا التسلسل الهرمي في ضمان مواءمة الأداء الفردي بالأداء المؤسسي وتحقيق نتائج واضحة تُقاس عبر مؤشرات الأداء في كل مستوى .

في الميدان والواقع الفعلي عملية بناء الاهداف وتقييم الاداء خلاف ذلك و تسير بعشوائية دون التحقق او الاهتمام من ترسيخ الوعي الاستراتيجي بالعلاقة بين الأهداف الإستراتيجية العليا و الأهداف التشغيلية المرتبطة بالادارة التي تبني أهداف الموظف المرتبطة مع دوره ومسؤولياته الوظيفية واهمال هذه التسلسل يشتت الجهود ويؤدي الى انخفاض اثر الاداء على تحقيق النتائج الاستراتيجية للمنظمة.

أما المحاور الثلاثة الأخرى ( التغذية الراجعة المستمرة، وخطط التطوير والتدريب , المكافآت ) تسبح في ملكوت النسيان، ليظهر الخلل ويضعف أثر نظام إدارة الأداء بأكمله لان التقييم لا يُبنى على “تحديد الأهداف الذكية ” فقط ، بل على محاور متكاملة بدورة تستمر طوال العام، تعني بتمكين كل موظف من القيام بالافضل بمقياس الكيف والجودة والاثر وليس الكم والورق ثم وضوح الهدف لذي يحوّل الأداء من مهمة مفروضة إلى التزام نابع من الداخل يساهم في تحقيق ما تتطلع اليه الرؤية بعد ذلك المتابعة كأداة تمكين وتصحيح في الوقت المناسب مع اعطاء لأولوية للتطوير وتشجيع التغذية الراجعة البنّاءة التي تُتيح للموظف إدراك حقيقي لمستوى أدائه و فرصًا واقعية للتحسين وإشارات تنير له الخطوة القادمة .

وفي نهاية العام يغلق التقييم دائرته من رضى فله الرضا ليُعاد توجيهه نحو رؤية نتأمل فيها ان توثيق الأداء بشكل شفاف ودقيق هو البنية التحتية لنجاح المنطمة وان القادم اجمل و النجاح رحلة مستمرة في كل قرار واختيار.

حين يغادر الاستثناء  من تخطّى التوقعات

المنحنى (الكيرف) الاجباري له منطقه الخاص فهو يرى أن معظم الناس لا بدّ أن يتكدّسوا في المنطقة الوسطى، وأن الامتياز الذي فاق التوقعات سيظل دائمًا حالة استثنائية لكن لو شعر الموظف أنه كسر منطق الكيرف، وتجاوز حدود الأداء المتوقع، وأصبح فعلًا من فئة الاستثناء كيف يمكن للادارة التعامل مع هذا الموقف خصوصا لو كان الموظف من الذين وجودهم هو التقييم الحقيقي للقسم / الادارة وان هدوءهم لم يكن مساحة فارغة انما كان مساحة ثقة يعمل فيها الجميع دون فوضى التصحيح ؟

البقاء في المنتصف لم يعد خيارًا نفسيًا ولا مهنيًا للموظف المتميز الذي يعتبر فَرِيقًا في شخص واحد , شخص يستطيع أن يرفع مهام عديدة عن مجموعة، من دون أن يرفع صوته ويقول ” أنا هنا ” او يطلب شهادة شكر او كلمة ثناء . البقاء في المنتصف ليس عادلا حين لا يُمنَح الاعتراف الحقيقي بالتميز لمن يستحقّه ويكون ظالما ويكشف القصور في ادارة لا تُحسن قياس النتائج الحقيقية والأثر الواضح.

لو شعر الموظف أنه كسر منطق الكيرف يصبح الظلم مرارة لانه لايوجد نظام او حق يسلب الموظف حقه وجهده ويجبر على درجة لايستحقها «لا شيء يدمّر الروح المعنوية مثل تقييم ظالم , فالموظف يستطيع التعامل مع النقد القوي، لكن لا يتحمل الظلم.» فالإحساس الداخلي بالظلم يتخطي المعايير الشخصية ليخلق لدى الموظف توقعًا طبيعيًا بأن يُعامل وفق أثره الحقيقي، لا وفق متوسط المجموعة. وإذا لم تجد المنظمة آليات اعتراف عادلة تعكس هذا التفوق، يصبح الكيرف ليس مجرد توزيع إحصائي او منحنى اجباري ، بل حاجزًا نفسيًا يكسر الروح المعنوية ويقيد الابداع ويهزّ قيمة الولاء. فالموظف الذي يدرك أنه استثناء، ويرى نفسه فوق المنتصف بعمله وجهده وعطاءه ، لن يقبل أن يُعاد تصنيفه إلى المنتصف وسيبحث عن مكان يعكس بوضوح ان النجاح لا يصنعه الحظ ولا الصدف بل عقلية تخطط وتمضي برؤية واستراتيجية.

 

 

إدارة اليوم قيادة الغد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬