وَاسْتَبَقَا الْبَابَ

بقلم الكاتبة: فاطمة عواجي
حين تتشابه الخطوات وتختلف القلوب
في مشهد قرآني مكثّف، يختصر الله تعالى صراعًا كاملًا بين الطهر والهوى، بين النجاة والسقوط، في كلمات قليلة لكنها محمّلة بالمعاني:
﴿ وَاسْتَبَقَا الْبَابَ ﴾.
كلاهما كان يجري.
الخطوات متشابهة، السرعة واحدة، الاتجاه واحد… لكن الحقيقة لم تكن كذلك.
يوسف عليه السلام كان يفرّ بدينه،
وهي كانت تسعى خلف معصية.
المشهد يعلّمنا درسًا بالغ العمق:
ليس كل من سار الطريق نفسه، كان قصده واحدًا.
ولا كل من تشابه فعله مع غيره، تشابهت نيته.
في حياتنا اليومية، قد نرى أشخاصًا يؤدون العمل ذاته، يتكلمون اللغة نفسها، يظهرون بالمظهر نفسه… لكن الفارق الحقيقي مخبوء في الداخل، في القلب تحديدًا.
فالنية هي التي ترفع العمل أو تُسقطه،
وهي التي تُحوّل الحركة العادية إلى عبادة،
أو تجعلها مجرد جهد بلا روح.
يوسف عليه السلام لم يكن يهرب من امرأة فقط، بل كان يهرب إلى الله.
كان يعلم أن النجاة لا تكون بالقوة، بل بالفرار مما يُغضب الله، ولو كلفه ذلك ظلمًا أو سجنًا أو فقدان سمعة مؤقتة.
وفي المقابل، كانت هي تركض خلف رغبة عابرة، ظنّت أنها سعادة، فإذا بها تقود إلى انكسار وفضيحة.
﴿ وَاسْتَبَقَا الْبَابَ ﴾ تذكير لنا بأن المعيار الحقيقي لا يُقاس بالحركة الظاهرة، بل بالوجهة الباطنة.
هل نركض هربًا من الخطأ؟
أم نركض إليه تحت مسميات مختلفة؟
قد نشترك بالأعمال، نعم…
لكن النيات هي التي تصنع الفارق،
وهي وحدها ما يُكتب عند الله.
فطوبى لمن كان سباقه إلى الباب فرارًا بدينه،
لا جريًا خلف شهوة،
ولا هروبًا من محاسبة.



