Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
مقالات

أنين المستشفيات.. أصواتٌ لا يسمعها الغافلون عن النعم

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي 

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي 

هل جرّبت يومًا أن تقف في ممرات المستشفيات، لا تنتظر موعدًا، بل تتأمل حكايات البشر خلف الأبواب المغلقة؟ هل سمعت أنين مريضٍ يتمنى أن يهدأ وجعه لدقائق، أو رأيت عينَي أمٍّ تراقبان صدر طفلها خوفًا من أن يتوقف عن التنفس؟

هناك، حيث تختلط رائحة الدواء بدموع الانتظار، وحيث تتعالى أصوات الأجهزة فوق همسات الدعاء، ستدرك أن الحياة التي نشكو تفاصيلها كل يوم هي أمنية يتمناها غيرنا.

في المستشفيات لا يوجعك المرض وحده، بل يوجعك أن ترى الإنسان عاجزًا أمام من يحب.

أمٌّ تتمنى لو تستطيع أن تنتزع الألم من جسد طفلها وتضعه في جسدها، وأبٌ يخفي دموعه خلف ابتسامة مرتجفة، وزوجةٌ تمسك يد شريك عمرها وتخشى أن تكون تلك آخر مرة تشعر فيها بدفئها، وطفلٌ يسأل عن موعد عودته إلى المنزل، بينما لا يملك من حوله إجابة تطمئن قلبه.

هناك مرضى أنهكهم الوجع حتى أصبح الأنين لغتهم، وآخرون أكل المرض من أجسادهم حتى بات الوقوف على أقدامهم حلمًا بعيدًا، وأجسادٌ غائبة عن الوعي، لا تسمع نداءات الأحبة ولا ترى دموعهم، بينما ينتظر ذووها حركة إصبع أو رمشة عين وكأنها أعظم بشارة في الدنيا.

ويا لقسوة الانتظار عندما يصبح صوت الجهاز هو الخبر الوحيد الذي تطمئن به على من تحب!

خلف كل سرير قصة لم تُكتب، وخلف كل باب قلبٌ يرتجف، وخلف كل دعاء إنسانٌ يخشى أن يفقد قطعة من روحه.

في تلك الممرات، لا أحد يسأل عن منصبك أو رصيدك أو مكانتك بين الناس؛ فالغني والفقير، والقوي والضعيف، جميعهم ينتظرون نعمة واحدة اسمها العافية.

كم من إنسانٍ دخل المستشفى يتمنى الشفاء، وآخر يتمنى أن يتنفس دون جهاز، وثالث يتمنى أن ينام ليلة واحدة دون ألم، ورابع لا يطلب من الدنيا إلا أن يفتح عزيزٌ غائبٌ عن الوعي عينيه ويناديه باسمه!

ونحن في الخارج نختلف على كلمات، ونحزن على أشياء عابرة، ونؤجل لقاءات أحبتنا، ونشكو أيامًا نملك فيها القدرة على المشي والأكل والنوم والضحك واحتضان من نحب.

يا الله، كم نحن أغنياء بنعمٍ لا ننتبه إليها إلا عندما نرى من حُرم منها!

في المستشفيات تتغير مقاييس السعادة؛ تصبح جرعة ماء دون ألم فرحة، وخطوة بعد عجز انتصارًا، ونتيجة تحليل مطمئنة عيدًا، وخروج مريض إلى منزله أعظم من كل الهدايا.

هناك تفهم أن أجمل صباح ليس الذي تبدأه بأخبار سعيدة، بل الذي تستيقظ فيه معافى، وتجد أحبتك بخير، وتسمع أصواتهم دون خوف من فقدها.

وأشد ما تهز به المستشفيات قلوبنا أنها تذكرنا بحقيقة نغفل عنها وسط انشغالنا بالحياة: أن بعض الأمنيات التي يرفعها المرضى إلى السماء نعيشها نحن كل يوم دون أن نشعر بعظمتها.

فلا تجعل المرض يعلّمك قيمة الصحة، ولا الفقد يعلّمك قيمة الأحبة، ولا العجز يعلّمك قيمة الخطوات التي تمشيها، ولا صوت الأجهزة يذكّرك بنعمة الأنفاس التي تتردد في صدرك.

ارحموا المرضى، ورفقًا بقلوب مرافقيهم؛ فليس كل من ابتسم مطمئنًا، ولا كل من صمت قادرًا على الاحتمال. هناك من يحمل خوفًا لا يراه أحد، ويخوض في كل ليلة معركة بين الرجاء والقلق.

اللهم اشفِ كل مريضٍ أوجعه المرض، وكل جسدٍ أنهكه العلاج، وكل طفلٍ سرق الوجع براءة أيامه، وكل غائبٍ عن الوعي تنتظر أسرته عودته، وكل من أخفى ألمه حتى لا يُحزن أحبابه.

اللهم اجعل لكل أنين سكينة، ولكل دمعة جبرًا، ولكل سرير مرض نهايةً تفرح بها القلوب، ولا تفجع أهلًا في عزيز، ولا تجعل أحدًا يغادر باب المستشفى مكسور القلب.

وختامًا..

لا تنتظر أن تفقد نعمة لتعرف قيمتها، ولا أن تقف خلف أبواب العناية المركزة لتدرك معنى الحياة.

ففي اللحظة التي تتذمر فيها من يومك، هناك من يتمنى أن يعيش يومًا عاديًا يشبه يومك تمامًا.

احمد الله على حياةٍ لا تسمع فيها أنينك، وعلى جسدٍ لا تحتاج أن تستأذن الألم ليمنحك بعض الراحة، وعلى أحبةٍ ما زلت تستطيع أن تناديهم فيجيبونك.

فالحمد لله على نعمٍ نعيشها، وأمنياتٍ يتمناها غيرنا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬