الصحة النفسية بين الأمس واليوم

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي
يخيفنا المسمى وننسى حاجتنا للعلاج قديما، كان الإنسان يتألم بصمت، ويحمل في صدره من الهموم ما تعجز الكلمات عن وصفه، لكنه لم يكن يعرف ما يسمى اليوم بالصحة النفسية. كان يجد في الصلاة والدعاء وقراءة القرآن والرقية الشرعية والجلوس مع الأهل متنفسا لهمومه، وكان الصبر والرضا بقضاء الله من أعظم ما يستعين به على مصاعب الحياة.
أما اليوم، فقد تطور العلم، وأصبحت الصحة النفسية تخصصا طبيا وعلميا يعنى بسلامة الإنسان النفسية والعاطفية والسلوكية، وظهرت العيادات والمراكز والاستشارات النفسية، ومع ذلك لا يزال بعض الناس يخشون الاقتراب منها، لا لعدم حاجتهم إليها، بل خوفا من مسماها ونظرة المجتمع إليهم.
فلماذا نخجل من علاج النفس ولا نخجل من علاج الجسد؟ ولماذا نسارع إلى الطبيب إذا اشتكى القلب من ألم عضوي، ونتردد إذا أثقلته الهموم وأرهقته الأحزان؟
لقد ظلمنا الصحة النفسية حين ربطناها بالجنون وضعف العقل، مع أنها حاجة إنسانية لا تقل أهمية عن الصحة الجسدية. فليس كل من راجع طبيبا نفسيا مريضا باضطراب شديد، وليس كل من ابتسم سعيدا، ولا كل من صمت مرتاحا.
كم من إنسان يضحك أمام الناس، وفي داخله حزن لا يعلمه إلا الله! وكم من شخص أنهكته المسؤوليات والخذلان والضغوط، لكنه يخشى طلب المساعدة حتى لا يقال عنه إنه مريض نفسي!
والحقيقة أن الاعتراف بالتعب ليس ضعفا، وطلب العلاج ليس عيبا، والاهتمام بالصحة النفسية ليس ترفا.
ومع أهمية الطب النفسي والعلاج المتخصص، فإننا نغفل أحيانا عن باب عظيم من أبواب السكينة، وهو القرب من الله، وتحصين أنفسنا بالأذكار والرقية الشرعية وقراءة القرآن.
قال تعالى: ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾.
فالرقية الشرعية والدعاء والتوكل على الله تمنح المؤمن طمأنينة روحية، وتعينه على مواجهة الخوف والقلق والأحزان. وما أجمل أن يرقي الإنسان نفسه بنفسه، ويجعل القرآن رفيقا لقلبه، والأذكار حصنا ليومه.
ولكن علينا أن ندرك أن الرقية ليست بديلا عن العلاج الطبي أو النفسي عند الحاجة، بل يمكن أن تكون سندا إيمانيا يرافق العلاج، فالله سبحانه هو الشافي، وقد أمرنا بالأخذ بالأسباب.
نحن بحاجة إلى تصحيح مفهوم الصحة النفسية قبل أن نطالب الناس بالعناية بها. بحاجة إلى مجتمع لا يسخر من المتعب، ولا يعيب على من يطلب المساعدة، ولا يحكم على الإنسان من اسم العيادة التي يراجعها.
فالصحة النفسية ليست عنوانا للجنون، بل عنوان للعناية بالنفس، والوقاية من الانهيار، واستعادة التوازن والطمأنينة.
وفي الختام، ليتنا ندرك أن النفس تتعب كما يتعب الجسد، وأن القلوب تحتاج إلى من يداوي جراحها، وأن أعظم ما نعين به أنفسنا هو الإيمان بالله، والرقية الشرعية، والذكر، مع عدم إهمال العلاج الذي نحتاج إليه.
فلا تجعلوا مسمى الصحة النفسية يخيفكم من علاج تحتاجه أرواحكم، ولا تنسوا أن للقلوب ربا يعلم أوجاعها، وللأبدان والنفوس علاجا جعله الله سببا لشفائها.




