التنمر الوظيفي

بقلم: د.هنيدة بنت نزيه قدوري
تختبئ خلف المكاتب المغلقة معاناة لا تُرى، وتُمارس سلوكيات تهدم الإنسان قبل أن تهدم المؤسسة، فنجد أن كثير من المؤسسات تتسابق نحو تحقيق التميز ورفع الإنتاجية واستقطاب الكفاءات، لكنها قد تغفل عن أحد أخطر التحديات التي تهدد استقرارها من الداخل، وهو التنمر الوظيفي أو التنمر في بيئة العمل Workplace Bullying) ) حيث يميل الأفراد أو المجموعات لاستخدام سلوك عدواني بشكل مستمر ضد زملاء في العمل أو مدراء مع مرؤوسيهم، وهذا النوع من التنمر يمكن أن يأخذ أشكال مختلفة مثل الإساءة اللفظية بالكلمات أو الإساءة غير اللفظية أو الإساءة النفسية أو الإساءة الانفعالية أو الاعتداء الجسدي أو الإهانة والإذلال أو نشر الإشاعات والأخبار الزائفة ، وتلك الممارسات السلبية التي لا تقتصر آثارها على الموظف المستهدف، بل تمتد لتصيب الثقافة المؤسسية، وتضعف الثقة، وتستنزف الطاقات، وتؤثر في جودة الأداء والإنجاز.
وفي كتاب (نهاية البلطجة الإدارية) لغاري وروث نامي، نجد طرحًا مهمًا لفهم ظاهرة التنمر في بيئة العمل، من خلال تسليط الضوء على أنماط المتنمرين وأساليبهم، وما يمكن أن تفعله الإدارة لمواجهة هذه الممارسات والحد من آثارها.
وتتعدد صور التنمر الوظيفي، ومن أبرزها:
• التقليل من الشأن: الانتقاص المتكرر من قدرات الموظف أو السخرية من أفكاره وإنجازاته.
• العزل المهني والاجتماعي: استبعاد الموظف عمدًا من الاجتماعات أو المعلومات أو فرص المشاركة والتطوير.
• تشويه السمعة: نشر الشائعات والمعلومات المضللة: لإضعاف الثقة بالموظف.
• الإدارة بالتخويف: استخدام التهديد والإهانة والضغط النفسي وسيلةً للسيطرة.
• إساءة استخدام السلطة: توظيف الصلاحيات الإدارية أو المعرفة المهنية؛ لتحقيق مصالح شخصية أو تصفية خلافات.
إن مسؤولية مواجهة التنمر الوظيفي لا تقع على الموظف المتضرر وحده، بل تبدأ من القيادة العليا، التي تتحمل مسؤولية بناء بيئة عمل آمنة وعادلة ومحفزة من خلال الملاحظة الواعية للسلوكيات السلبية، والإنصات الجاد لشكاوى الموظفين، والتحقق منها بموضوعية وسرية، والاعتراف بالمشكلة دون إنكار أو تبرير، حتى وإن كان مصدرها أحد المسؤولين، والتدخل المبكر، ووضع حدود واضحة للسلوك غير المقبول، ومعالجة جذور المشكلة، وبناء منظومة وقائية وتبدأ هذه المنظومة بوضع سياسة مكتوبة وواضحة لمكافحة التنمر، تحدد السلوكيات المحظورة، وآليات الإبلاغ، وإجراءات التحقيق، والجزاءات المناسبة وفق الأنظمة واللوائح المعمول بها، كما تتطلب تدريب القيادات والموظفين على التمييز بين النقد المهني المشروع والإساءة المتعمدة، وإنشاء قنوات آمنة وسرية لتلقي البلاغات، وحماية المبلّغين من الإجراءات الانتقامية، مع ضمان العدالة لجميع الأطراف.
ولا تقل أهمية الدعم النفسي والمهني للمتضررين عن أهمية محاسبة من تثبت مسؤوليته؛ لأن معالجة السلوك المسيء دون معالجة آثاره قد تترك المؤسسة أمام موظفين فقدوا الثقة والشعور بالأمان.
فمكافحة التنمر الوظيفي ليست ترفًا إداريًا أو مسؤولية ثانوية لإدارة الموارد البشرية، بل هي جزء أصيل من الحوكمة الرشيدة، وإدارة المخاطر، وحماية السمعة المؤسسية، واستدامة الأداء.
والقائد الحقيقي لا يحتاج إلى إضعاف الآخرين ليُثبت قوته؛ بل تتجلى عظمة قيادته في قدرته على تمكينهم وحماية كرامتهم، وصناعة الولاء، والثقة، والانتماء المستدام.




