
بقلم: د.عبدالمعتني غيث المزروعي. ـ مستشار إدارة المخاطر والازمات
كثيراً ما نلاحظ في التجمعات البشرية طفلًا يحمل وسيلة تعريفية كالبطاقة أو السوار تتضمن اسمه ورقمًا للتواصل، أو حرص بعض الأسر او مجموعة اصدقاء على تحديد مكان للالتقاء أو مشاركة الموقع الجغرافي، سواء كانت تلك التجمعات دينية أو رياضية أو ثقافية. قد تبدو هذه الممارسات بسيطة، لكنها تعكس جانبًا مهمًا من الاستعداد للمخاطر والطوارئ، وتطرح تساؤلًا جوهريًا: كيف يمكن تحويل هذه الممارسات الفردية إلى ثقافة أسرية ومجتمعية أكثر تنظيمًا واستعدادًا؟
وفي هذا السياق يحتفي العالم في 13 أكتوبر من كل عام باليوم الدولي للحد من مخاطر الكوارث، الذي أقرّته الأمم المتحدة عام 1989 م، ومنذ ذلك الوقت يُشكّل مناسبةً لتجديد الوعي بأهمية الوقاية وتعزيز الاستعداد وترسيخ ثقافة إدارة المخاطر بوصفها مسؤولية مشتركة تبدأ من الفرد وتمتد إلى المؤسسات والمجتمع بأكمله.
وتأتي رسالة هذا العام 2026 تحت شعار (المرونة تبدأ من المنزل) لتسلّط الضوء على أهمية الأسرة بوصفها نقطة انطلاق أساسية لبناء ثقافة الوقاية والجاهزية، إذ تتشكل داخلها المعارف والسلوكيات التي تساعد أفرادها على التعرف على المخاطر، والاستعداد للطوارئ، واتخاذ التصرفات المناسبة عند وقوعها، فالاستعداد لا يبدأ عند حدوث الخطر، بل من خلال ممارسات وقائية بسيطة ومنتظمة تُرسّخ الممارسة وتحول المعرفة إلى سلوك عملي.
ولا تقتصر أهمية الاستعداد على الأسرة وحدها؛ بل تمتد إلى المؤسسات التعليمية والجهات الحكومية والخاصة والقطاع الثالث، وذلك من خلال تكامل الأدوار وتبادل المعرفة وتطوير خطط الاستجابة والاستمرارية.
فكلما تكاملت الجهود بين الأسرة والمؤسسات ومختلف مكونات المجتمع، تعزّزت القدرة المجتمعية على مواجهة المخاطر والحد من آثارها والتعافي من الاضطرابات بفاعلية.
إن الاحتفاء باليوم الدولي للحد من مخاطر الكوارث لا ينبغي أن يقتصر على التوعية النظرية أو الرسائل الإعلامية، بل يمكن أن يكون نقطة انطلاق لممارسات عملية مستدامة، من خلال وسائل عملية ، وذلك بتوظيف السيناريوهات الافتراضية والتمارين التوعوية المناسبة لأفراد الأسرة، إذ يمكن اختيار تنفيذ سيناريو يتناسب مع المخاطر المحتملة في البيئة المحيطة، مثل حالة طبية طارئة، أو حريق منزلي، أو أمطار غزيرة وسيول، أو انقطاع الكهرباء، أو حادث غرق، ثم مناقشة إجراءات التصرف الآمن، وتحديد الأدوار، و البدائل المناسبة، وتقييم مدى استعداد أفراد الأسرة، مع مراعاة أن تكون الأنشطة آمنة ومناسبة لأعمار المشاركين، وألا تتضمن محاكاة ميدانية قد تعرضهم للخطر. ويمكن كذلك الاستفادة من الألعاب التعليمية والأنشطة الأسرية التفاعلية لتبسيط مفاهيم الوقاية والاستعداد، ولا سيما لدى الأطفال، فالتعلم بالممارسة والمناقشة يساعد على ترسيخ السلوكيات الصحيحة، ويمنح أفراد الأسرة فرصة للتعرف على جوانب القصور وفرص التحسين قبل وقوع الحوادث لا سمح الله.
فالأسرة المستعدة تمثل ركيزة أساسية لمجتمع أكثر قدرة على الصمود، والاستعداد الحقيقي لا يُقاس بما نعرفه عن المخاطر فحسب، بل بقدرتنا على التصرف السليم عند مواجهتها.




