إلى المعلّم… الذي يترك فينا شيئًا لا تمحوه السنوات

بقلم د.هنيدة قدوري
في يوم المعلم، أريد أن أكتب عن قلبٍ يحمل مسؤولية أجيال، وعن عقلٍ يصنع الوعي، وعن روحٍ قد تخفي تعبها خلف ابتسامة، كي لا يرى المتعلمين في عينيه إلا الأمل.
ففي كل بيئة تعلم حكاية لا يعرفها أحد، فهناك متعلم يدخل هذه البيئة وهو يحمل في داخله خوفًا لا يستطيع التعبير عنه، وآخر يختبئ خلف صمته لأنه فقد ثقته بنفسه، وثالث يظن أنه أقل ذكاءً من زملائه، ورابع ينتظر كلمة واحدة تعيد إليه إيمانه بقدرته على النجاح، وقد يظن المعلّم أنه يشرح درسًا عاديًا، بينما هو في الحقيقة يعيد بناء الإنسان الذي سيصنع ملامح الغد.
فهناك الكثير من المتعلمين لا يتذكروا الدروس التي تعلموها، لكنهم لن ينسوا المعلّم الذي قال لهم يومًا ” أنت تستطيع” ولن ينسى تلك النظرة التي منحته شعورًا بأنه مرئيّ، ومفهوم، وجدير بالفرصة.
فهنا تكمن عظمة الرسالة التعليمية؛ فالمعلّم الحقيقي لا يكتفي بأن يملأ العقول بالمعلومات، بل يساعد الإنسان على اكتشاف ما في داخله من قدرات، ويمنحه الشجاعة ليحاول، والحكمة ليتعلّم من خطئه، والثقة ليقف من جديد حين يتعثر.
أعرف أن كلمات التقدير، مهما بلغت بلاغتها، لا تكفي وحدها لتكريم المعلّم، فتكريمه لا ينبغي أن يكون مناسبة عابرة في التقويم، بل ثقافة مستمرة في المدرسة والمجتمع، تبدأ بالاحترام، وتمرّ بالإنصاف، وتكتمل بالتمكين والتطوير والثقة، فالمعلّم مهما بلغت خبرته، يظل إنسانًا يحتاج إلى من يشجّعه، ويقدّر اجتهاده، ويمنحه مساحة للتجربة والتعلّم، ومن الظلم أن نطالبه بأن يصنع الشغف في نفوس الآخرين بينما نترك شغفه هو ينطفئ، أو أن نحمّله وحده مسؤولية نجاح العملية التعليمية دون أن تتكامل معه الأسرة والمدرسة والمؤسسات والمجتمع وصنّاع القرار، وكل فرد يؤمن بأن بناء الإنسان هو أعظم استثمار يمكن أن تصنعه الأمم.
ورسالتي إلى كل إنسان ما زال يتعلّم مهما تقدّم به العمر:
– إذا وجدت معلّمًا آمن بقدرتك حين شككت في نفسك، فلا تجعل مرور السنوات يمحو فضله من ذاكرتك.
– إذا أخطأ معلّمك، فتذكّر أن الاحترام لا يعني إنكار الخطأ، وأن الاختلاف لا يبرّر الإساءة، وأن العدل يقتضي أن نرى الإنسان بإنصاف، لا أن نحكم عليه من موقف واحد.
– إذا أصبحت يومًا صاحب منصب، أو طبيبًا، أو مهندسًا، أو كاتبًا، أو قائدًا، أو معلّمًا آخر، فتذكّر أن وراء كثير من النجاحات أشخاصًا لم تظهر أسماؤهم على منصات التكريم، لكن أثرهم كان حاضرًا في كل خطوة.
– لا تجعل نجاحك دليلًا على أنك لم تعد بحاجة إلى معلّم، بل اجعله شاهدًا على أن التعليم الجيد يفتح للإنسان أبوابًا لا تنتهي.
ولعل أجمل ما يمكن أن نهديه لمعلّمينا ليس تصفيقًا في مناسبة، بل أن نصبح أشخاصًا يليقون بما علّمونا؛ أن نكون صادقين في أعمالنا، أمناء في مسؤولياتنا، رحماء في تعاملنا، ومخلصين في خدمة أوطاننا ومجتمعاتنا.
وأعظم تحية للمعلّم ليست أن نقول له: شكرًا في يومك، ثم نمضي؛ بل أن نجعل للمعلّم قيمةٌ مصونة، ورسالةٌ مقدّرة، وإنسانٌ يستحق الوفاء لأنه الأثر الجميل الذي لا تمحوه السنوات.




