منزلة الصحابة وفضلهم

حسن بن محمد منصور مخزم الدغريري
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ؛ وعلى آله ، وصحبه ، ثمَّ أمَّا بعد :
معاشر القراء الكرام : إنَّ الصحابة هم الذين رأوا النبي صلى الله عليه وسلم ، وآمنوا به وماتوا على الإسلام ؛ وصحابته صلى الله عليه وسلم هم خير هذه الأمة ؛ لأنَّهم نصروه صلى الله عليه وسلم ودينه الإسلام ، وفدوه بدمائهم ، وأموالهم ، ونقلوا دينه الحق إلى من بعدهم بحقٍّ وصدق ؛ ابتغاء فضل الله وجنته ؛ ولذا أثنى الله عليهم في كتابه العزيز ، وسنة نبيه الهادي البشير صلوات الله وسلامه عليه ، وكفى بذلك شرفاً وفخراً لهم ، قال الله تعالى : – وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ – التوبة : 100 وقال صلى الله عليه وسلم : – خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ – رواه البخاري ومسلم , وقال صلى الله عليه وسلم : – لَا تَزَالُونَ بِخَيْرٍ مَا دَامَ فِيكُمْ مَنْ رَآنِي وَصَاحَبَنِي ، وَاللَّهِ لَا تَزَالُونَ بِخَيْرٍ مَا دَامَ فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ رَآنِي وَصَاحَبَ مَنْ صَاحَبَنِي ، وَاللَّهِ لَا تَزَالُونَ بِخَيْرٍ مَا دَامَ فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ رَأَى مَنْ رَآنِي وَصَاحَبَ مَنْ صَاحَبَ مَنْ صَاحَبَنِي – رواه ابن أبي شيبة ، وصححه الألباني في الصحيحة برقم 3283 قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله : ” فأدناهم صحبةً هو أفضل من القرن الذين لم يروه ، ولو لقوا الله بجميع الأعمال ” أي الصالحة ، وقال صلى الله عليه وسلم : – النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي ، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي ، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ – رواه مسلمٌ في صحيحه ؛ قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : ” مَنْ كَانَ مُسْتَنًّا فَلْيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ مَاتَ ، أُولَئِكَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَانُوا خَيْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ ، أَبَرَّهَا قُلُوبًا ، وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا ، وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا ، قَوْمٌ اخْتَارَهُمُ اللَّهُ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَنَقْلِ دِينِهِ ، فَتَشَبَّهُوا بِأَخْلاقِهِمْ وَطَرَائِقِهِمْ ، فَهُمْ كَانُوا عَلَى الْهَدْيِ الْمُسْتَقِيمِ ” انظر شرح السنة للبغوي 1 / 214 ؛ وقال أيضاً رضي الله عنه : ” إِنَّ اللهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ ، فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ ، فَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ ، فَابْتَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ، فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ ، فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ ، يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينِهِ ، فَمَا رَأَى الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا ، فَهُوَ عِنْدَ اللهِ حَسَنٌ ، وَمَا رَأَوْا سَيِّئًا؛ فَهُوَ عِنْدَ اللهِ سَيِّئٌ ” رواه أحمد في مسنده باسنادٍ حسن .
معاشر القراء : إنَّ الواجب على المسلمين تجاه الصحابة محبتهم ، والترضي عنهم ، والاستغفار لهم ، والكف عمَّا شجر بينهم من خلافٍ ، ونتبرأ ممن سبهم وطعن فيهم ، ونعتقد أنَّهم ليسوا بمعصومين ، وأنَّهم مجتهدون مثابون في تصرفاتهم ، وأنَّ المصيب منهم له أجران ، والمخطئ منهم له أجرٌ ، وخطأه مغفورٌ له في اجتهاده ، مغمورٌ في بحار حسناته ، وأنَّ الصحابة لايذكرون إلاَّ بالجميل من أعمالهم رضي الله عنهم وأرضاهم ؛ قال الله تعالى : – لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً – الفتح : 18 وقال تعالى : – وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ – الحشر : 10 وقال النبي صلى الله عليه وسلم : – آيَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ ، وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الأَنْصَارِ – رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية لهما : – الأَنْصَارُ لاَ يُحِبُّهُمْ إِلَّا مُؤْمِنٌ ، وَلاَ يُبْغِضُهُمْ إِلَّا مُنَافِقٌ ، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللَّهُ ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ أَبْغَضَهُ اللَّهُ – وقال صلى الله عليه وسلم : – لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي ، لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ، مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ ، وَلَا نَصِيفَهُ – رواه البخاري ومسلم ؛ قال أبو نعيم الأصبهاني في كتاب الإمامة 376 : ” لا يَبْسُطُ لِسَانَهُ فِيْهِم إلاَّ مَنْ سَاءَتْ طَوِيَّتُهُ في النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، وصَحَابَتِهِ ، والإسْلامِ ، والمُسْلِمِيْنَ ” وقال عبد الله بن المبارك رحمه الله في البداية والنهاية لابن كثير 8 / 139 : ” معاوية عندنا مِحْنة ، فمن رأيناه ينظر إليه شزَرًا اتهمناه على القوم ” يعني الصحابة ، وقال أبو زرعة الرازي رحمه الله : ” إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديقٌ ، لأنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم عندنا حق ، والقرآن حق ، وإنَّما أدَّى إلينا هذا القرآن والسنن ؛ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنَّما يريدون أن يجرحوا شهودنا ؛ ليبطلوا الكتاب والسنة ، والجرح بهم أولى ، وهم زنادقة ” وقال الإمام أحمد بن حنبل في شرح أصول اعتقاد اهل السنة والجماعة 2359 : ” إِذَا رَأَيْتَ أَحَدًا يَذْكُرُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسُوءٍ فاتَّهِمْهُ عَلَى الْإِسْلَامِ ” .
معاشر القراء الفضلاء : يقول الإمام القرطبي في تفسيره على الفتح آية 29 : ” فَالصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ عُدُولٌ ، أَوْلِيَاءُ اللَّهِ تَعَالَى وَأَصْفِيَاؤُهُ ، وَخِيَرَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ بَعْدَ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ . هَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ ، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجَمَاعَةُ مِنْ أَئِمَّةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ ” .
معاشر القراء : إنَّ الصحابة رضوان الله عليهم بمجموعهم وأفرادهم خيرٌ ممن جاء بعدهم ، ومع ذلك هم يتفاوتون في الفضل والمكانة ، فأفضلهم أبو بكرٍ عبد الله بن عثمان رضي الله عنه ، ويليه في الفضل عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : – اقْتَدُوا بِالَّذَيْنِ بَعْدِي أَبُي بَكْرٍ وَعُمَرُ – رواه الترمذي باسنادٍ صحيح ، ويقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه في فضائل الصحابة برقم 49 : ” لايفضلني أحدٌ على أبي بكرٍ وعمر إلاَّ جلدته حدَّ المفتري ” ثمَّ بعدهما في الفضل ذو النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه ، ويليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وهكذا بقية العشرة المبشرين بالجنة ؛ ثمَّ سائر الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ، ومنهم آل بيته الطاهرون ، وأزواجه أمَّهات المؤمنين ؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : – قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ ، وَمَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ ، فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا ، فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ – رواه أحمد ، وغيره ، وصحح الحديث الألباني في الصحيحة برقم 17142 ، وقال صلى الله عليه وسلم : – أَبُو بَكْرٍ فِي الجَنَّةِ ، وَعُمَرُ فِي الجَنَّةِ ، وَعُثْمَانُ فِي الجَنَّةِ ، وَعَلِيٌّ فِي الجَنَّةِ ، وَطَلْحَةُ فِي الجَنَّةِ ، وَالزُّبَيْرُ فِي الجَنَّةِ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي الجَنَّةِ ، وَسَعْدٌ فِي الجَنَّةِ ، وَسَعِيدٌ فِي الجَنَّةِ ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ فِي الجَنَّةِ – رواه الترمذي في سننه ، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع برقم 50 .
هذا ما أحببت كتابته في هذا المقال ، والله نسأل أن يرزقنا حبَّه تعالى ، وحبَّ من يحبه ، وحبَّ كلَّ عملٍ يقربنا إلى حبِّه ؛ وأن يجمعنا بالنبيين ، والصديقين ، والشهداء ، والصالحين من عباده في جنات عدنٍ ، ونعم دار المستقر إنَّ ربنا أرحم الراحمين ، وهو خير الغافرين . اللهم آمين .




