الأمان… هو الوطن

بقلم الكاتبة: فاطمة عواجي
الأمان ليس كلمة نرددها في المناسبات، ولا رقمًا في تقرير، ولا مشهدًا عابرًا نراه ثم نمضي؛ الأمان هو أن تعيش يومك مطمئنًا لأن خلف تفاصيل حياتك وطنًا يسهر عليك.
الأمان أن تنام في بيتك، بينما على حدود وطنك جنديٌ يقف بعينٍ لا تنام؛ يواجه الخطر بعيدًا عن أسرته، حتى يبقى الخطر بعيدًا عن أسرتك.
هو ذلك الرجل الذي يقف في أقصى الحدود، تحت شمسٍ حارقة أو في ليلٍ طويل، لا يعرف أسماء الذين يحرس أمنهم، لكنه يعرف أن خلفه وطنًا يستحق أن يُحمى.
والأمان أن يداهمك المرض، فتجد في المستشفى طبيبًا يبحث عن سبب ألمك، وممرضًا يتابع نبضك، ومسعفًا يسابق الوقت لإنقاذك.
قد لا تعرف أسماءهم، لكنك تشعر بمعنى الوطن في أيديهم حين تصبح حياتك أمانة بين أيديهم.
الأمان أن يخرج طفلك إلى مدرسته، وأنت تعرف أن هناك معلمًا يعلمه، وإدارة ترعاه، ومنظومة تعمل من أجل مستقبله؛ لأن الوطن الآمن لا يحرس حدود أرضه فقط، بل يحرس عقول أبنائه ومستقبلهم.
الأمان أن تسير في الطريق فتجد رجل الأمن حاضرًا لحماية الأرواح وتنظيم الحياة، وأن تستنجد فيأتيك من لا يعرفك، لأن واجبه تجاهك لا يحتاج معرفةً سابقة؛ يكفي أنك إنسان يعيش على أرض هذا الوطن.
الأمان أن يشتعل حريق فيهب رجال الدفاع المدني، وأن يقع حادث فينطلق المسعفون، وأن تضيع نفس أو تستغيث أخرى فتتحرك الجهات المختصة؛ ففي الوطن الآمن هناك دائمًا من يسمع النداء، ومن يتحرك، ومن يصل.
الأمان أيضًا ذلك الذي لا نراه.
أن يصل الماء إلى بيتك، والكهرباء إلى غرفتك، والدواء إلى مستشفاك، والتعليم إلى أبنائك، والخدمة إلى من يحتاجها.
خلف هذه التفاصيل التي اعتدناها أيدٍ تعمل، وأنظمة تُدار، ورجال ونساء يؤدون مسؤولياتهم حتى تستمر الحياة بهدوئها الطبيعي.
وهنا تكمن عظمة الأمان: أننا أحيانًا لا نشعر به إلا لأننا نعيشه.
نخرج ونعود، ننام ونستيقظ، نرسل أبناءنا إلى مدارسهم، نراجع مستشفياتنا، نسافر بين مدننا، ونمضي في تفاصيل حياتنا، بينما هناك من يقف على الحدود، ومن يسهر في غرفة العمليات، ومن يجيب نداء الاستغاثة، ومن يحرس الطريق، ومن يعلم طفلًا، ومن يعمل بصمت لتبقى عجلة الوطن دائرة.
في وطني المملكة العربية السعودية، لا أرى الأمان مجرد غيابٍ للخوف؛ بل أراه حضورًا للدولة في حياة الإنسان منذ لحظة حاجته وحتى لحظة اطمئنانه.
فالجندي أمان،
والطبيب أمان،
والممرض أمان،
والمعلم أمان،
ورجل الأمن أمان،
والمسعف أمان،
وكل يدٍ مخلصة تؤدي واجبها هي جزء من سور كبير اسمه الوطن.
ولهذا، عندما نقول: اللهم أدم علينا نعمة الأمن والأمان، فنحن لا ندعو لبقاء الهدوء فقط؛ بل لبقاء وطنٍ يستطيع الإنسان فيه أن يعيش، ويتعلم، ويتعالج، ويعمل، ويربي أبناءه، وينام وهو مطمئن أن خلفه دولة تحمي أرضه، وتحفظ حقه، وترعى حياته.
فالوطن الآمن ليس المكان الذي لا يحدث فيه الخطر، بل المكان الذي تجد فيه وطنك حاضرًا عندما يأتي الخطر.
وهذا هو معنى الأمان في وطني…
أن تكون مطمئنًا، لأن خلف طمأنينتك وطنًا كاملًا لا ينام.




