مقالات

حج أهل مكة

بقلم: د. رغدة الإدريسي

بقلم: د. رغدة الإدريسي

يعيش العالم الإسلامي كله أيام الحج مراقبا ومتتبعا لأخبار الحجيج عبر وسائل الإعلام المختلفة، إلا أهل مكة فإنهم يعيشون تفاصيله التي تنعكس على حياتهم وروتينهم اليومي.

وقد شعر أهل مكة شرّفها الله، بمسؤوليتهم تجاه الحجيج منذ الأزل، فعاملوهم معاملة الضيوف الذين يفدون بيوتهم، فأكرموهم ما استطاعوا، وكانوا يهيئون البيت الحرام لقدومهم، ويعتنون عناية خاصة بتوفير سقياهم في مشاعر الحج منى وعرفة، لشدة الحر والعطش، وعدم معرفة القادمين بآلية وجود الماء والسقيا في تلك المناطق البعيدة عن المسجد الحرام وقلب مكة.

وكان من عادة أهل مكة في المئة سنة الماضية -كما حكت لي جدتي- أن يحج الرجال كلهم بلا استثناء، فلا يقعد إلا مريض أو مسن لا يقدر على الحركة، فتخلو أحياء مكة من الرجال، ويعيش فيها النساء فقط عدة أيام، بل كُنَّ إن صادفن في الطريق رجلا لم يذهب للحج، ينطلقن هن وصبيانهم وراءه مغنين معيّرين: يا قيس يا قيس يا ذقن التيس، الناس كلها حجت وانت جالس ليش؟

وكان ولازال من عادات نساء مكة أن يصمن يوم عرفة ويقضين ذلك اليوم في المسجد الحرام ويفطرن فيه؛ لأنه يكون خاليا يومها، فالحجاج والرجال من أهل مكة في الحج، حاجين أو عاملين، فلا تترك نساء مكة بيت الله خاليا، بل يعمرنه بالطواف والصلاة، ويكون المسجد الحرام يومئذ لهن ولأطفالهن دون غيرهن.

وحجُّ أهل مكة سنويا ليس أداءً دينيا فقط، بل هو غرض تجاري كذلك، فكان أهل مكة يؤجرون بيوتهم للحجيج الذين كانوا سابقا يصِلُون مكة من بلدانهم من شهر رمضان ويبقون إلى بداية شهر محرم، ثم إذا كان يوم 7 من ذي الحجة، أحرموا بالحج مع الحجيج من مسجد العمرة أو مسجد السيدة عائشة، وانطلقوا معهم منظمين وقائدين ومشرفين، وبائعين ومشترين كذلك.

هذه الشهور كانت تستلزم عادات خاصة بأهل مكة، فبيوتهم تؤجر كاملة للحجيج، وينتقل أهل الدار إلى بيوت الأهل إن وجدت، أو إلى ملحق السطح، وتسكن حملات الحجاج بيوتهم ويستعملون مطابخهم، ومرافق منازلهم، ويعيشون معهم وبينهم، وتنشأ بينهم صلات محبة وجوار، وتجارة واقتصاد، وأحيانا رحم وزواج.

ولذلك لا يهتم أهل الحجاز عامة بعيد الأضحى، رغم أن يوم النحر أعظم يوم عند الله بعد يوم عرفة، لأنهم مشغولون بهذه الفعاليات كلها، وبيوتهم مؤجرة، ورجالهم في المشاعر، ونساؤهم مشغولات بتجهيز البيوت لعودة الحجاج من منى، ولا توجد من مظاهر الاحتفال بعيد الأضحى عند أهل مكة -والتي لاتزال قائمة إلى اليوم- سوى المعمول.

وللمعمول الحجازي قصة عشق لم تنتهِ في قلوب أهله، وهو عند محبيه ذو نكهة تميزه عن معمول أي منطقة سعودية وعربية تحتفل في العيد بخبزه وتقديمه.

فلابد فيه من نكهة الهيل المطحون ورشة الحبة السوداء، وعجن التمر بالسمن الحر، وقولبته في قوالب خشبية مزخرفة خاصة، ثم تحميره في الفرن، ورشه بالسكر أو عدم رشه، وتجتمع النساء عادة ويجعلن من المعمول هذا فعالية كبيرة، تُعجَن عجينة عملاقة، بإشراف الجدات الخبيرات من كل عائلة، ثم تقسم على النساء والفتيات، لينطلقن في تشكيل المعمول في القوالب الخشبية وضربه لينقلب على الصواني، التي ترسل مع الفتية الصغار للفرن، مع تعليمها بعلامة مميزة لئلا تختلط بصواني بقية العوائل، وعودتها محمرة وتوزيعها في علب وإهدائها إلى الجيران والأقارب، لتبدأ بعد ذلك جولة التذوق والانتقاد والتفاخر بمن معموله ألذ وأطرى وأطزج مكونات، وأوزن بهارات، وأعدل تحميرا.

ولا تزال عادة أكل المعمول قائمة إلى يومنا هذا، ولكن صار الأغلب يشترونه جاهزا من أيادي الستات المشهورات بالمعمول الحجازي، ومن أشنع الجرائم في رأيي شراؤه من السوبرماركتات والمخابز والأماكن التي لا تعرف لمسة يد السيدة الحجازية، وأسرار أبازيرها الخاصة.

ومن الأحداث التي لا تزال خالدة في ذاكرتي عن الحج، السنة التي أخذنا فيها أبي رحمه الله إلى حجة الفريضة أنا وأختي، وقد حججنا ذلك العام (حجة أهل مكة)، وهذا هو المصطلح المتعارف عليه عند أهل مكة للحجة الخاصة بهم، وهو يعني أن يحجوا في سياراتهم نهارا، ويبيتوا في بيوتهم ليلا، بمعنى أننا قضينا يوم عرفة في سيارتنا الجيمس التي فرد والدي رحمه الله مقاعدها، وبسط عليها فرُشًا، وأخذنا معنا مأكولات خفيفة، ولم نحضر شايا ولا قهوة لئلا نحتاج لدورة المياه أكرمكم الله، فصلينا العصر في عرفة، وجلسنا في سيارتنا المكيفة ندعو ونذكر الله ثم نفرنا إلى مزدلفة، وكان الجو قد تحسن، فنزلنا على الرصيف بفرشنا إلى أن انتصف الليل، فذهبنا إلى منى ورمينا العقبة الكبرى، وبهذا تحللنا، وبقينا هناك إلى قريب الفجر، وعدنا إلى بيت جدتي الواقع داخل حدود الحرم، وعدنا اليوم الثاني لرمي الجمار وبقائنا في منى لبعد منتصف الليل والحمد لله.

كان الحج في تلك السنوات يحوي الكثير من المخاطر، والعشوائيات، وكان الناس يموتون في حوادث التدافع المعروفة منها وغير المعروفة، ويسقط كبار السن في الطريق بسبب ارتفاع الحرارة، ويحبس الناس في سياراتهم ساعات طوال في النفرة إلى مزدلفة، وتشل حركة السير ل12 ساعة وأكثر.

أما اليوم فأهل مكة يحجون كما يحج غيرهم، منظمين منتسبين إلى حملات رسمية، حجا صحيحا كاملة أركانه وواجباته، ولم يبق من ملامح حج الماضي، إلا الزحام الذي يكتنف مكة قرب الموسم، وتعطيل المدارس القريبة من الحرم قبل غيرهم، والمعمول الذي يزين موائد القهوة يوم العيد.

حفظ الله أهل مكة، وزادها تشريفا وتعظيما، ورزقنا جميعا حجا مبرورا ميسرا مقبولا، وكل عام وأنتم بخير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬