مقالات

إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا

بقلم: د. مشاعل الغفيلي

بقلم: د. مشاعل الغفيلي

قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى
———————————————
قالَ لا تَخافا.. تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الخَوْفِ الذي لا يرحم ابدا ولا يقبل امدا ولا يبقي أحدا.. لتأتي لا النافية والناهية عن الخوف لتخبر بالثبات باليقين الجازم معِيَّةُ الله مَعِيَّةُ الحِفْظٍ لتسكب في القلب حضور الأيمان.
لا.. الكاملة الحضور الرباني بالقوة التي لا تغلب، الوافية بالصاحب الانيس لتمنح رسالة اطمئنان تجعل مع الأمان نسبا ومع الطمأنينة سببا وتطرد الخوف وتعرف اليقين نورا وسراجا وتضفي لباس السكينة
فلا يعلق بالقلب شاغل ولا يفتنه من الدنيا عارض.
إنَّنِي مَعَكُما مَعيّة الله هي الأمان، والمدد، والنور الأزلي والنداء الأول والأخر الذي يحكم وثاقه رباط اليقين ان الامر كله لله بحفظه وكفايته.
أسْمَعُ وأرى، وهي حضورُ السمع وشاهدُ البصر سمعَ الله ورأى كلَّ شيءٍ الكل المطلق الذي يشمل كامل السعة والتمام وكمال القدرة.
وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ
———————————
هي ليست آية قرآنية، بل رسالة وعي وسلوك يبدل طريقة شعورنا بالحياة وان المرء لا يجتاز أيامه بقدر سعيه ولا بقدر ثقته، بل يجتاز ويطمئن بقدر يقينه بمعية الله في كل حين مستشعرا ان الله لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، قد أحاط بكل شيء علماً وخبراً.
لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ
——————————
منهج حياة، قالها رسولنا عليه الصلاة والسلام وهو بالغار لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، كلمات جمعت معاني التأييد والمعية، والنصر والثبات، قالها النبي عليها الصلاة والسلام في لحظة ضيق داخل الغار لكنها صارت وعدا ربانيا لكل خائف وحزين.
وقال مثلها موسى عليه السلام عندما كان البحر أمامه والعدو خلفه فخاف أتباعه من عدم النجاة وقالوا:
إِنَّا لَمُدۡرَكُونَ فكانت الإجابة من موسى عليه السلام وكان المددُ والإمداد المتكئ على اليَقِينُ باللَّٰهِ كَلَّاۤۖ إِنَّ مَعِیَ رَبِّی سَیَهۡدِینِ، انت بربك ومع ربك تؤمن أنك بالغ وجهتك بالغها وان طال عليك الطريق.
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ
——————————
يُردِّدُ المسلمُ في صلاتِه سورةَ الفاتحة أكثرَ من سبعَ عشرةَ مرّةً كلَّ يوم، وكأنّها نافذةٌ تُضيءُ له طريقَ الدنيا والآخرة؛ فتُعرِّفُه وجهتَه، وتُثبّتُ في قلبه معنى المصير الذي يسيرُ إليه. ومن هذا الوعي يتعلّم ألا يقطعَ الطريقَ وحده، بل يستندُ في رحلتِه إلى الصبرِ والصلاة، مستعينًا بهما على الثباتِ والهداية، حتى ينالَ وعدَ المعيّة الإلهية كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ.
ثم تأتي خِتامُ الصلاة لتُكمِلَ معنى المعيّة عمليًّا في الشعور والأنس؛ فحين نردّد السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، يَستيقنُ المصلي أنّ قلبَه ليس منفردًا في الطريق، وأنه موصولٌ بجماعة الإيمان، مؤنسٌ بصحبة عباد الله الصالحين ومعيّتهم ويستقرُّ في النفس أن الطريقَ إلى الله يُقطَعُ بمعيّته، ومع أهلِ طاعته.
مَعِيَّةُ اللهِ بِالذِّكْرِ
———————
وقد لخّص لنا رسولُ الله ﷺ في الحديث القدسي طريقَ تقوية الصلة بالله حتى نستشعر مَعيّتَه تعالى، فقال
: (يقول الله تعالى: أَنَا مَعَ عَبْدِي مَا ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ) ، بالذِّكر يحضر القلب، وتطمئنّ النفس، ويستقيم الشعور على معنى القرب بمعية الله.
إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا
——————
في هذه الدنيا عزاؤنا أن الله معنا في طرفةِ العين، وفي حزنِ القلب، وفي التفاتةِ الروح، في قوّةِ الظروف ومهما تضاءلت الاحتمالات واختفت الأسباب وحينها ندرك ان القلب يرى في كل مشهدٍ معنى أن الطمأنينة ليست اتفاقًا مؤقتًا مع الحياة، بل عهدٌ دائمٌ مع الله وأن الأمان لا تصنعه الظروف، بل يصنعه يقينُ الحضور الرباني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬