مقالات

لن تبلغ الجبال طولًا

بقلم الكاتبه: فاطمة عواجي

بقلم الكاتبه: فاطمة عواجي

وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ

سورة لقمان، الآية 18

آيةٌ قصيرة في ألفاظها، عظيمةٌ في معانيها، جاءت ضمن وصايا الحكيم لابنه، لتؤسس خُلُقًا لو تمسّك به الناس لاستقامت العلاقات، وصفَت القلوب، وساد التواضع بين الخلق.

ولا تُصَعِّرْ خدك للناس

الصَّعَر هو ميل الخد تكبّرًا، كأن يُعرض الإنسان بوجهه عن غيره احتقارًا أو تعاليًا.

هي ليست حركة جسدية فحسب، بل حالة قلب.

قد يكون الصَّعَر في نظرة، أو نبرة صوت، أو طريقة ردّ، أو تجاهل متعمّد.

والآية ترفض هذا كله؛ لأن المؤمن الحق لا يرى نفسه فوق أحد، ولا يزِن الناس بمالهم أو مناصبهم أو هيئاتهم.

كم من إنسانٍ خسر محبة الناس بسبب لحظة كِبر!

وكم من متواضعٍ ملك القلوب بابتسامة صادقة وكلمة لطيفة!

ثم تأتي الوصية الثانية: ولا تمشِ في الأرض مرحًا

أي لا تمشِ مشية المتفاخر المختال، الذي يظن أنه بلغ القمم، وأن الدنيا تدور حوله.

فالإنسان مهما علا منصبه، أو كثُر ماله، أو عَظُم جاهه، يبقى عبدًا ضعيفًا، خلقه الله من تراب، وإليه يعود.

وتأتي الجملة التي تهزّ الغرور من جذوره:

إنك لن تبلغ الجبال طولًا

صورة بليغة تذكّر الإنسان بحدوده.

لن ترتفع فوق سنن الله، ولن تعلو فوق خلقه، فالجبال الشامخة التي تراها كل يوم أطول منك، وأثبت منك، وأبقى منك.

فما بالُك تتكبر؟

إن الكِبر لا يزيد صاحبه رفعة، بل يعزله عن القلوب.

أما التواضع، فيزيد صاحبه قدرًا عند الله والناس.

قال ﷺ: “وما تواضع أحد لله إلا رفعه”.

هذه الآية ليست توجيهًا لأبٍ لابنه فحسب، بل رسالة لكل إنسان:

تواضع في كلامك.

تواضع في مشيتك.

تواضع في تعاملك.

تواضع حتى في نجاحك.

فالدنيا قصيرة، والمواقف عابرة، والناس شهود بعضهم على بعض.

وما أجمل أن يُذكر الإنسان بعد رحيله بأنه كان لين الجانب، سهل العِشرة، لا يعرف الكِبر طريقًا إلى قلبه.

فلنخفض أجنحتنا رحمةً بالناس،

ولنمضِ في الأرض بسكينة ووقار،

فالعظمة الحقيقية ليست في العلو على الخلق،

بل في القرب من الخالق.

بين التباهي بالإفطار… وغياب روح العبادة

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬