مقالات

سرعة التعافي مؤشر على الصمود الحقيقي

بقلم: د. عبدالمعتنى غيث المزروعى

بقلم: د. عبدالمعتنى غيث المزروعى

لم يعد معيار قوة الدول والمؤسسات يُقاس بقدرتها على منع الأزمات، بل بمدى سرعة تعافيها واستعادتها لوظائفها الحيوية. فالتعافي السريع لم يعد استجابة تشغيلية مؤقتة، بل أصبح مؤشراً استراتيجياً للصمود (Resilience)والاستقرار، ولأننا بعصر المخاطر المركبة لم تعد الجاهزية تقاس او تُختبر فقط قبل الأزمة أو اثنائها بل بعد حدوثها واستعادة العمليات الحيوية واستمراريتها.

تشير الأدبيات العلمية الحديثة إلى أن الصمود(Resilience) لا يعني مجرد العودة إلى ما قبل الأزمة، بل يشمل القدرة على امتصاص الصدمة، والتكيّف(Adaptation) مع آثارها، ثم التحسن بعدها. ضمن هذا الإطار تبرز سرعة التعافي بوصفها المؤشر الأكثر واقعية لقياس الصمود، لأنها تربط بين عامل الزمن، وحجم الأثر، وجودة القرار.

ويمكن تعريف سرعة التعافي إجرائياً: بأنها الزمن اللازم لاستعادة الحد الأدنى المقبول من الخدمات أو العمليات الحيوية بعد تعطلها. وكلما قَصُر هذا الزمن دلّ ذلك على نضج الحوكمة، وكفاءة التخطيط المسبق، ومرونة البنية المؤسسية، وقدرة القيادات على إدارة عدم اليقين بفاعلية، مما يحدث فرقاً مباشراً في استمرارية العمليات الحيوية.

ويؤكد الباحث (Boin et al., 2017 — The Politics of Crisis Management) “أن التعافي الفعّال لا يهدف فقط إلى الاسترجاع، بل إلى التكيّف والتحسن، وهو ما يجعل عنصر الزمن في التعافي عاملاً حاسماً في تقييم مستوى الصمود الحقيقي” (Boin et al., 2017).

وتبين التجارب الدولية أن إطالة أمد التعافي تؤدي إلى تضاعف الخسائر الاقتصادية والاجتماعية، واستنزاف الموارد، وتآكل الثقة العامة. وقد أوضحت تقارير البنك الدولي “أن التأخير في التعافي بعد الكوارث ينعكس سلباً على مسارات التنمية والاستقرار، لا سيما في المجتمعات عالية الهشاشة” (World Bank, 2017).

وعلى المستوى المؤسسي، تؤكد معايير استمرارية الأعمال (EBC) أن المنظمات القادرة على استئناف عملياتها بسرعة تحافظ على سمعتها التنافسية، وتحد من خسائر السوق، وتعزز ثقة أصحاب المصلحة. وتعد المواصفة الدولية الخاصة بنظام إدارة استمرارية الأعمال مرجعاً رئيسياً في ربط زمن التعافي بالتخطيط المسبق وتحليل أثر الأعمال وتحديد أزمنة الاستعادة المستهدفة (ISO 22301, 2019). وانطلاقا من ذلك فإن سرعة التعافي لا تمثل كلفة تشغيلية، بل ميزة تنافسية واستثماراً طويل الأمد. ولتحويل المفهوم إلى أداة إدارة عملية قابلة للتطبيق، يمكن قياس سرعة التعافي عبر مؤشرات كمية واضحة، من أهمها:

• زمن استعادة الخدمة المستهدف لكل خدمة حرجة. (RTO)

• الحد الأقصى المقبول للتعطل.( MTPD)

• نسبة استعادة القدرة التشغيلية خلال فترة زمنية محددة.

• زمن العودة إلى مستوى الأداء المقبول.

• نسبة العمليات التي استعيدت ضمن الزمن المخطط.( RTO Compliance)

اعتماد هذه المؤشرات يساعد في تحويل التعافي من تقدير عام إلى عنصر قابل للقياس والمراجعة والتحسين المستمر، ويربطه بإدارة الأداء المؤسسي.

ولا يقتصر أثر سرعة التعافي على الجوانب الاقتصادية والتشغيلية، بل يمتد إلى البعد النفسي والاجتماعي. فالتعافي المرئي والسريع يبعث برسالة طمأنة مفادها أن النظام قادر على الحماية والتكيف. وتشير دراسات إدارة الأزمات إلى “أن الثقة العامة تتشكل بدرجة كبيرة في مرحلة ما بعد الأزمة، عندما يقيّم المجتمع كفاءة الاستجابة وفعالية استعادة الخدمات، أكثر من تقييمه لمرحلة الصدمة نفسها” (Boin et al., 2017).

المجتمعات التي تلمس نتائج التعافي خلال فترة زمنية قصيرة تكون أكثر استعداداً للالتزام بالإجراءات المستقبلية، وأكثر تقبلاً للإصلاحات الوقائية، مما يعزز التماسك المجتمعي ويحد من الآثار الثانوية للأزمات. ويظهر ذلك عملياً في تجربة المملكة خلال أزمة COVID-19، حيث أسهمت سرعة التعافي واستمرارية الخدمات الحيوية والتحول الرقمي في دعم الثقة المجتمعية وتقليل الأثار التنموية والاقتصادية .

وينسجم تعزيز سرعة التعافي مع التوجهات الوطنية لرؤية المملكة 2030إلى بناء اقتصاد مزدهر ومجتمع حيوي وخدمات موثوقة. فرفع الصمود المؤسسي، وتحسين الجاهزية، وضمان استمرارية الخدمات الحيوية تمثل ركائز أساسية لتحقيق الاستدامة والتنمية الشاملة.

كما أن الاستثمار في سرعة التعافي يدعم كفاءة الإنفاق، ويرفع جودة الخدمات الحكومية، ويمكن القطاع الخاص، ويعزز موثوقية البنية التحتية، ويسهم في حماية مكتسبات التنمية وتقليل أثر الصدمات المستقبلية على الاقتصاد والمجتمع.

واذا اردنا تحقيق افضل النتائج لسرعة التعافي يجب اقترانه بالتعلم المؤسسي واستخلاص الدروس. فالتعافي الذي يعيد تشغيل الأنظمة مع بقاء نقاط الضعف نفسها لا يحقق صموداً حقيقياً. ولهذا تدعو الأطر الدولية للحد من مخاطر الكوارث إلى تبني مفهوم التعافي الأفضل، “الذي يربط بين سرعة الاستعادة وتحسين القدرة المستقبلية على المواجهة، من خلال إعادة البناء بصورة أقوى وأكثر مرونة” (UNDRR, 2015) .و يتحقق ذلك بتنفيذ مراجعات ما بعد الازمات والحوادث، وتحديث الخطط، وتطوير القدرات، وتحسين التصميمات التشغيلية بحيث تتحول كل أزمة إلى فرصة لتعزيز الجاهزية المستقبلية وبناء صمود حقيقي وهو ما يُعد مؤشراً وطنياً ومؤسسياً على مستوى الجاهزية والاستقرار.

 

تعزيز دور المعلم الثالث لتحسين نواتج التعلم  

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬