في ليلة من ليالي الغربة

بقلم الكاتبة د. سوسن توفيق حنفي
كُن بَلسَماً إِن صارَ دَهرُكَ أَرقَما
كانت الغربةُ مدينةً لا تُشبهني، لكنني تعلّمتُ أن أُلين قسوتها وأطوعها باللطف.
أنا مؤمنة أنني لا أستطيع أن أغيّر كل العالم، لكنني أستطيع أن أطوع رؤيتي في محيطي … فربما لحظة واحدة من هذه اللحظات قد تغيّر إنسانًا كاملًا ممن التقيت أحيانًا.
كنتُ أخرج كثيرًا في المساء لألحق بمناوباتي الليلية في الطوارئ التي لا تنام ولا تعترف بساعة دوام، وأعود وأنا أحمل شيئًا من حكايا الشوارع على كتفي:
وجهَ مشردٍ ألقى عليّ السلام، امرأةً تجرّ كل عالَمها أمامها في عربةٍ صدئة، رجلًا سكرانًا يضحك لي كما للحائط…
ومع الوقت، أدركتُ أن هؤلاء رغم ضياعهم يمتلكون قدرة عجيبة على حفظ الوجوه التي تُعاملهم كبشر.
ألفت هذه الوجوه في طريقي المعتاد فكنت أجهز لهم ما زاد من طعامي وأبتسم لهم وأنا مارة ثم تطور الأمر إلى محادثات خفيفة سريعة على قارعة الطريق، هم أحسوا نحوي بالألفة وشاركوني الفضفضة لكن الحقيقة أنهم أعطوني ما هو أثمن:
أعطوني درسًا في أن اللطف لا يحتاج إلى لغة، ولا انتماء، ولا شروط.
اللطفُ وحده كفيل بأن يعيد للإنسان ثقتَه بوجود نفسه في وسط عالم كل مافيه سريع يلهث ليلحق تحديد أهداف قد يتعب الأغلب منها في حين يتمنى آخرون وجودها !!
مشيت حتى شارفت طلائع مستشفاي الذي أعمل به وقابلت سيارات الشرطة والإسعاف عند باب الطوارئ فعلمت أن هناك حدثًا ينتظرني بالداخل.. أكملت سعيي حتى شارفت دفع باب الطوارئ، كانت صرخة المرأة السكرى تزلزل المكان قبل أن أفتح الباب
تصرخ، تدفع من حولها، وتهذي كمن أضاع باب العودة إلى نفسه تركت الوضع حولها في فوضى عجيبة
الجميع جرّب معها:
الأطباء، الممرضون، رجال الأمن…
لكنها لم تخضع لأحد.
وما إن رأتني مقبلة، حتى نادت:
«سوسن!»
لمحتها من بعيد .. إنها احدى من تاهت بهم السبل فسكنوا طريقي اليومي الذي اعتدته أو كما يمكن أن أقول رفقاء الطريق .
كانت صرختها مثل يد تمتدّ من قلبها إلى قلبي.
ومن تلك اللحظة… تغيّر كل شيء.
اقتربتُ منها، فهدأ صراخها.
تكلمتُ بكلماتٍ عادية، لكنها سمعتها كأنها لغة لا يفهمها سواها.
جَلست بخضوع تام فوق السرير بكل طواعية بعدما كانت تقاوم الأرض، وأخذت دواءها، وخفّ ارتجافها.
وقف الجميع بدهشة غير عادية، دهشة استغراب واستنكار شديدين .
كيف تعرفني وكيف أعرفها ؟!
لا يوجد أي رابط من عرق أو دين أو ثقافة يجمعنا انها احدى أصدقاء الطريق !
من يرى كيف يمكن لشيءٍ بسيط ككلمة، وجه، أو ذكرى أن يُعيد ترتيب الفوضى في إنسان منكسر.
كيف يحدث هذا؟ لماذا هدأت معي؟
لأن اللطف يُخضع دون قسر، ويُهذّب دون أمر، ويُغيّر دون أن يشعر الإنسان بأنه تغير.
هناك أشخاص لا يهدؤون أمام السلطة، ولا أمام الصراخ، لكنهم ينهزمون أمام قلبٍ واحد…
قلب لم يتعامل معهم كحالة نكرة، بل بوصفهم بشرًا.
اللطف يفعل ما لا تفعله القوة.
القوة تجبر وتخضع ، لكن اللطف يقنع.
القوة تُسكت وتخرس ، لكن اللطف يُطمئن.
القوة تُسيطر، لكن اللطف يُحرّر.
وهذه المرأة التي ربما التقيتها صدفة في الشارع ليلةً وناولتها طعامًا ليلة أخرى وبادلتها السلام عشية .تذكرت اللمسة، لا الحدث.
فالإنسان لا يحفظ كلماتك… بل يحفظ إحساسه بك.
لم تكن تلك المرأة مجرّد مريضة في حالة سُكر.
لاحقًا عرفتُ أنها وُجدت في الشارع تهذي وحدها، كلماتها غير مترابطة، تتلفت حولها بريبة، لا تتذكر اسمها ولا مكانها ولا كيف وصلت إلى هناك.
كانت متوجسة من الجميع، ترفض كل يدٍ تمتدّ إليها، وكأن العالم كله كان عدوًّا في وعيها المشوّش.
ومع ذلك…
وسط هذا التشوش الكامل،
وسط ضياع الذاكرة وانفصال المعنى،
وسط العيون الكثيرة والوجوه الغريبة…
تذكّرت اسمي.
لم تتذكر علاجًا، ولا مكانًا، ولا زمنًا…
لكنها تذكّرت الأثر.
وكأن اللطف لا يمر عبر الذاكرة،
بل يُحفَر في مكانٍ أعمق من العقل.
وَما قَتَلَ الأَحرارَ كَالعَفوِ عَنهُمُ
وَمَن لَكَ بِالحُرِّ الَّذي يَحفَظُ اليَدا
إِذا أَنتَ أَكرَمتَ الكَريمَ مَلَكتَهُ
وَإِن أَنتَ أَكرَمتَ اللَئيمَ تَمَرَّدا



