مقالات

على مهل… نضيء

بقلم الكاتبة :عبير بن صديق

بقلم الكاتبة :عبير بن صديق

حين يُدرك الإنسان ـ إدراكَ العارف لا إدراكَ السامع ـ أن الكمال وهمٌ جميل، وأن كل ما على هذه الأرض عابر مهما طال مقامه، يتبدّى له وجه آخر للحياة؛ وجه لا يعلو فيه الصخب، ولا تُستنفَر فيه الرغبات، بل يسكنه الهدوء، وتغمره السكينة، ويستقر فيه الرضا والقبول.
عندها لا يعود السلام حالةً مؤقتة، بل يصبح تجلّيًا دائمًا، كبحرٍ أدرك سرّ المدّ والجزر، فلم يعد يضطرب لكل موجة.
في هذا الوعي، تتّسع مساحات التفكّر، ويتعمّق التبصّر بالذات وبالمحيط وبالعلاقات. يصير الإنسان شاهدًا على نفسه لا خصمًا لها، ويولد الحضور الحقيقي؛ حضورٌ يحمل أدوات عظيمة: وعيًا يحوّل اللحظة العابرة إلى معنى، والتجربة القاسية إلى بصيرة، والألم الصامت إلى حكمة ناضجة.
وهنا يتجلّى سرّ خفيّ: فالضوء الذي نهتدي به لا يولد من الفراغ، بل يصل إلينا لأن شيئًا ما اعترض طريقه، فانكسر وتشكّل؛ جمالٌ لا تصنعه المساحات الخالية، بل العوائق التي منحت النور شكله ومعناه.
ومن هنا يبرز السؤال الذي حيّر الفلاسفة قبل العابرين:
كيف يكون أكثر الناس ابتلاءً هم أكثرهم صبرًا؟
وكيف يمتلك أشدّهم معاناة قدرةً مدهشة على الاحتمال؟
وكيف لإنسانٍ قَسَت عليه الحياة من كل الجهات، أن ينهض بعد كل سقطة، ويمضي في خطواته التالية وكأن في داخله نورًا لا يُطفأ؟
الجواب لا يُقال، بل يُعاش.
إنه الحضور الحقيقي؛ حيث يكون الامتلاء في الصمت، لا في الكلام،
وتكون القوة في الهشاشة الواعية، لا في الادّعاء.
يدهشنا صبرهم، وتدهشنا معاناتهم، ونحسبهم خارقين،
بينما هم في حقيقتهم أناس أدركوا يقينًا أن الحال زائل، وأن العبور قانون لا استثناء له،
فاستراحوا من مقاومة الطريق، وساروا معه.
العجيب أن هذه القسوة، حين تُفهَم، لا تُقسي أصحابها،
بل تملؤهم عذوبةً، ورقّةً، وهدوءًا.
لا صراخَ إثبات، ولا ضجيجَ شكوى، ولا حاجة لفرض الرأي؛ لأن من امتلأ فهمًا، استغنى عن التبرير.
أما الضجيج، فكثيرًا ما لا يدل على عمق المعاناة، بل على هشاشة لم تتعلّم بعد كيف تفهم مسار الحياة، ولا كيف تبحث عن الضوء حين يحتجبه الطريق.
ولذلك، يبقى النقد أسهل المهن؛
لأنه غالبًا ما يصدر عن عجز، ويُولد من حسرة تجاه أولئك الذين امتلكوا الشجاعة ليسيروا تحت طبقات الظل، يلمِسون النور بأصابع مجروحة، وينمون رغم العتمة،
ويخوضون رحلات التغيير، بينما يكتفي غيرهم بالوقوف عند الهامش، يراقب ويُدين، دون أن يسير خطوة واحدة نحو الضوء.

 

الرقمنة: حين تعبر الأسرة إلى وطنٍ لم تخطط له

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
💬