مقالات

لاتقترب اكثر مما يجب 

بقلم الكاتبة : حنان سالم باناصر 

بقلم الكاتبة : حنان سالم باناصر 

في العلاقات الإنسانية، لا تبدأ المشكلات الكبرى غالبًا من خلافات صريحة، بل من تفاصيل صغيرة تتراكم بصمت، أهمها غياب الحدود. فحين يختلط القرب بالمبالغة، وتُلغى المسافة النفسية بيننا وبين الآخرين، تبدأ العلاقات بفقدان توازنها تدريجيًا. يتحوّل الود إلى تداخل، والألفة إلى تجرؤ، والنية الحسنة إلى سوء فهم، حتى يصبح ما كان مريحًا في بدايته عبئًا في نهايته.

كثيرون يخلطون بين القرب الصحي وإلغاء الحدود، ويظنون أن المحبة الحقيقية تعني فتح كل الأبواب، والسماح بالدخول إلى كل المساحات، ومشاركة كل التفاصيل. لكن الواقع يثبت أن العلاقات التي بلا إطار واضح، تكون الأكثر هشاشة والأسرع تدهورًا. فحين لا تكون هناك مسافة نفسية تحمي الطرفين، يبدأ الآخر في الافتراض بدل السؤال، وفي التدخل بدل الدعم، وفي التعليق بدل الاحترام.

ومع الوقت، تظهر مظاهر التجرؤ تحت مسمّى “الميانة”، فتُقال كلمات لا تُقال، وتُطرح أسئلة لا يجب أن تُطرح، ويُفتح الحديث في خصوصيات لا يملك أحد حق الاقتراب منها. لا بدافع سوء نية بالضرورة، بل لأن الحدود لم تُرسم منذ البداية. وهنا لا تُهدر الخصوصية فقط، بل يُستنزف الاحترام، وتتحول العلاقة إلى مساحة غير آمنة نفسيًا.

الاحترام، في حقيقته، لا يُقاس بدرجة القرب، ولا بعدد الساعات المشتركة، ولا بحجم المعرفة المتبادلة، بل بمدى الالتزام بالحدود. قد يكون هناك أشخاص قريبون جدًا منا، لكنهم لا يحسنون التعامل مع مساحتنا الخاصة، وقد يكون هناك آخرون على مسافة أبعد، لكن حضورهم راقٍ، وحديثهم محسوب، وتفاعلهم مريح. المسافة هنا ليست برودًا، بل وعيًا.

الحدود ليست قسوة، وليست رفضًا للآخر، وليست انسحابًا من العلاقات، بل هي لغة واضحة تقول: هذا ما أرتاح له، وهذا ما لا يناسبني. وهي تحمي الطرفين معًا؛ تحمي الشخص من الاستنزاف والتجاوز، وتحمي الآخر من الوقوع في الخطأ أو التمادي دون قصد. والعلاقات التي تُدار بحدود واضحة تكون أكثر استمرارية، لأنها قائمة على الوضوح لا على المجاملة، وعلى الاحترام لا على الافتراض.

وضع الحدود لا يعني خسارة الناس، بل يكشف طبيعة العلاقات. فمن يتقبّل حدّك، غالبًا يحترمك، ومن ينزعج منه، قد يكون مستفيدًا من غيابه. والنضج الاجتماعي يظهر في القدرة على معرفة متى نقترب، ومتى نترك مسافة، ومتى نعيد ترتيب الأشخاص في حياتنا دون ضجيج أو صدام.

لا تغيّر الأشخاص، بل غيّر الترتيب والمسافة. لا يمكنك أن تغيّر الناس، لكن يمكنك أن تغيّر قربك منهم، وطريقتك في التفاعل معهم، والحدود التي ترسمها لحماية نفسك. فالعلاقات لا تُقاس بكم نقترب، بل بمدى وعينا ونحن نقترب. والحدود التي نضعها بيننا وبين الناس ليست جدرانًا للعزلة، بل استثمارًا حقيقيًا في صحتنا النفسية، وضمانًا لعلاقات أكثر احترامًا واتزانًا.

بين ضيافة الأجداد وهدر الأحفاد: هل نسينا جوهر الكرم؟

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
💬