الجرباء

بقلم الكاتبة: رجاء الطويل
الجرباء ليس اسماً عابراً في كتب السير بل قصة تختصر طبيعة البشر منذ الأزل.
الجرباء لقب التصق بزوجة طلحة بن عبيد الله فظن كثيرون ان وراءه عله جسدية ولكن الحقيقة أبعد ماتكون عن ظاهر اللفظ
فقد كانت من فرط جمالها ما وقفت إمرأة بجانبها إلا استقبحت فكانوا يتحاشون الوقوف جانبها.
لم يكن بها داء بل كانوا هم الداء، لم تكن مصابة بعلة بل كانوا هم العلة.
كان جمالها مرآة صافيه تعيد لصاحبها صورته بلا تزييف.
وهكذا يفعل الجمال حين لايشبه المعتاد يحرج، يربك، يفضح ما يحاولون إخفاؤه عن أنفسهم قبل الآخرين.
البشر بطبعهم ينسحبون حين لا يحتملون المقارنة وحين يعجزون عن بلوغ القمة يكتفون برمي الحجارة علي من يقف عليها، ويخلقون الأوصاف، ويصنعون العيوب، ويطلقون الأحكام فقط ليُسكّنوا صوت الخيبة بداخلهم،ليجبروا نقص نفوسهم الضعيفة التي لاتحتمل رؤية اختلاف حقيقي، فالبشر لا يرمون المختلف بحجر إلا حين يشعرون أنه يهدد استقرارهم النفسي،فكل لقب قاسي هو محاولة لحماية( الأنا) مِن الإنهيار أمام تفوق لايستطيعون مجاراته فمن الأسهل تشويهه.
ولعلهم يفعلون ذلك بسبب (الضعف البشري)الذي حين يهمل يتحول إلى أذى فمن لا يتصالح مع نفسه يؤذي الآخرين بلا وعي منه . فالحكم القاسي غالباً يعبر عن صرخة داخلية تشق طريقها عبر تشوية الآخرين وكلما كان الداخل هش كان الحكم أقسى.
وما كانت الجرباء الأولى ولن تكون الأخيرة فالتاريخ ممتليء
مبدعون حوربوا، عظماء نعتوا بالجنون، واثقون وصفوا بالغرور ألقاب وأوصاف التصقت بهم وبقيت حتى بعد زوالهم.
وما الجمال الذي ضاقوا به إلا وجه من وجوه النعم
فهناك جمال الروح،الفكر،السلوك،القيم.
ضاقوا بكل متميز،ومبدع،وراقٍ، ومختلف.
ولأننا لا نمتلك التحكم بأفواه الناس بل نملك دائماً التحكم بأنفسنا وكيف نرد على قسوة ألقابهم بصمت الواثق، وكيف نصنع من جراح أحكامهم درعاً من المناعة، أن نتمتع بقوة وصلابة تدفع كلماتهم بعيداً عن قلوبنا.
فالإنسان لايُعرف من لقب بل من أثر، والأثر لا تصنعه ألسن الناس بل القلوب التى تظل متفائله ومعطاءه.
الجرباء رمز لكل من طاله التشوية لأنه متميز وخارج عن المألوف ولا يشبه السائد،لكل من سار في درب مختلف وشق طريقاً مغايراً.
ولأن الحق لايفقد قوته لأن أحدهم انكره، والنور لا يصير ظلاماً لأن العيون أغمضت دونه فيجب أن لا نصدق كل مانسمع ولانحكم على الآخرين بما يقال عنهم
ولنتذكر:
انه في كل مرة نحكم على إنسان من لقب أو إشاعة نعيد إنتاج القصة ذاتها ونصنع جرباء جديدة ذنبها تميزها وعيبها تفردها.
وهكذا تستمر الحكاية…
وأخيراً لا يهم أن تكون جرباء هذا الزمان المهم أن تكون متفرداً ولو أصبحت منفرداً ومهما أثقلتك ألقابهم فالعظماء لا يصنعهم الناس بل هم يصنعون أمجادهم.



