انشراح الصدر وسعادته

بقلم: حسن بن محمد منصور مخزم الدغريري
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وعلى آله ، وصحبه ، وبعد :
أخي القارئ الكريم : إنَّ إنشراح الصدر ، وسعادته ؛ لمن أعظم أنواع السعادة التي يتحصل عليها المسلم في حياتها كلها ؛ ولذا ذكره الله في كتابه ممتناً به على عبده ورسوله ، وعلى سائر المؤمنين ؛ الذين انشرحت صدورهم بالإسلام إيماناً ، وعلماً ، وعملاً ؛ وصدق الله تعالى إذ يقول : ( أَلَمۡ نَشۡرَحۡ لَكَ صَدۡرَكَ ) قال الامام ابن كثير رحمه الله في تفسيره : ” أي نورناه ، وجعلناه فسيحاً ؛ رحيباً ، واسعا ؛ كقوله تعالى : ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ) ( الأنعام : ١٢٥ ) وكما شرح الله صدره للإسلام ؛ كذلك جعل شرعه فسيحاً ، واسعاً ؛ سمحاً ؛ سهلاً ؛ لا حرج فيه ، ولا إصر ، ولا ضيق ” انتهى .
ومما يدل على أهمية انشراح الصدر ، وسعادته في حياة المسلم ؛ ما جاء في قول الله تعالى : ( أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) ( الأنعام ١٢٢ ) .
اخي القارئ الكريم : وإنَّ أسباب انشراح الصدر ، وسعادته كثيرة ؛ ينبغي لكل عاقلٍ أن يعرفها ، ويعمل بمقتضاها ؛ ليكون من السعداء في الدنيا والآخرة ؛ واذكر من أسباب انشراح الصدر ، وسعادته ما يلي :
١- الاهتمام بشأن التوحيد محبةً لله ، ورجاءً في رحمته ، وخوفاً من عقابه ، واستعانةً بعظمته ، واستغاثةً بقدرته ، واستعاذةً به وحده لا شريك له ؛ من كلِّ شرٍّ ومكروهٍ ؛ وبغيرها من أنواع العبادات ؛ التي يجب صرفها لله تبارك وتعالى ، وصدق الله تعالى إذ يقول : ( قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) ( الأنعام: ١٦٢ ) .
إذن فالتوحيد مع كماله ، وقوته ، يزداد معه الإيمان ؛ وينشرح به الصدر ؛ ويحصل للعبد المسلم به من السعادة أكملها ، ومن الطمأنينة والراحة أعظمها ، ومع ضعف التوحيد ، ونقص كماله ؛ يضعف معه الإيمان ، ويضيق به الصدر ، وتقل معه سعادة العبد ؛ وراحة نفسه ؛ وطمأنينة قلبه ؛ ولذا قال الله تعالى : ( أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ) ( الزمر : ٢٢ ) وقال تعالى : ( وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ) ( الأنعام : ١٢٥ ) وقال تعالى : ( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) ( النحل : ٩٧ ) .
٢- من أسباب انشراح الصدر ، وسعادة العبد : العناية بشأن الصلاة أداءً ، وخشوعاً ؛ كيف وقد قال الله تعالى : ( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ) ( البقرة : ٤٥ ) وقال تعالى : ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ) ( المؤمنون : ١ – ٢ ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( من حافَظَ عليها كانت لَه نورًا ، وبُرهانًا ، ونجاةً إلى يومِ القيامةِ ، ومن لَم يُحافِظ عليها ؛ لم يَكن لَه نورٌ ، ولا برهانٌ ، ولا نجاةٌ ، وَكانَ يومَ القيامةِ معَ فرعونَ ، وَهامانَ ، وأبَيِّ بنِ خلفٍ ) رواه أحمد في مسنده ؛ وصحح الحديث الحافظ العراقي في طرح التثريب ٢ / ١٤٧ وفي سنن أبي داود ، وصححه الألباني في صحيح أبي داود برقم ٤٩٨٥ : ( عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ قَالَ مِسْعَرٌ : أُرَاهُ مِنْ خُزَاعَةَ لَيْتَنِي صَلَّيْتُ فَاسْتَرَحْتُ ، فَكَأَنَّهُمْ عَابُوا ذَلِكَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : يا بلالُ أقمِ الصلاةَ ، أرِحْنا بها ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( حُبِّبَ إلي منَ الدُّنيا : النساءُ ، والطِّيبُ ، وجُعِلَ قرةُ عيني في الصلاةِ ) رواه النسائي في سننه ؛ وصححه الألباني في صحيح النسائي برقم ٣٩٣٩
٣- من أسباب انشراح الصدر ، وسعادته : الحرص على تعلم العلم الشرعي من كتاب الله ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ؛ فهما النور والبصيرة ؛ لمن أراد الله هدايته ؛ وصلاحه فبقراءتهما أو سماعهما ؛ تنشرح الصدور ؛ وتطمئن النفوس ؛ وبفهمها فهماً سلفياً صحيحاً ؛ وبتدبر ما فيهما من الآيات المحكمات ، والأحاديث النبويات ؛ تتأثر القلوب ؛ وتنقاد الجوارح ؛ لمراد ربها ، وبالعمل بهما ، وتطبيق أحكامهما ؛ يزداد الإيمان ؛ وتنال السعادة الأبدية دنياً وأخرى ؛ وصدق الله تعالى إذ يقول : ( وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ) ( الشورى : ٥٢ – ٥٣ ) وقال تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ) ( يونس : ٥٧ – ٥٨ ) وقال تعالى : ( وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ) ( النساء : ١١٥ ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( إنَّ الشيطانَ قد يَئِسَ أن يُعبَدَ بأرضِكم ، ولكن رضِيَ أن يُطاعَ فيما سِوى ذلك مما تُحاقِرون من أعمالِكم ، فاحْذَروا إني قد تركتُ فيكم ما إن اعتصمتُم به ؛ فلن تَضِلُّوا أبدًا ، كتابَ اللهِ ، وسُنَّةَ نبيِّه ) صلى الله عليه وسلم ؛ رواه الحاكم في مستدركه ؛ وصححه الألباني في صحيح الترغيب برقم ٤٠ .
٤- من أسباب انشراح الصدر ، وسعادة القلب : مجالسة علماء الشريعة الراسخين فيها ؛ والاستفادة من علومهم النافعة ، وأعمالهم الجليلة ، وأخلاقهم الحسنة ، وأخذ العلم عنهم عن طريق الدروس والمحاضرات في المساجد ، أو سماع صوتياتهم المنتشرة عبر مواقعهم الاكترونية ، ومواقع التواصل الاجتماعية المختلفة ؛ أو قراءة كتبهم ومؤلفاتهم المطبوعة التي تنير البصائر ؛ للتي هي أقوم ، وتحفز النفوس للطاعات والقربات ، وتعين القراء على الصبر والتصبر ؛ والحرص على محاسن الأخلاق ؛ وجميل الصفات ؛ ولذا رفع الله من شأن أهل العلم في كتابه ، وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وبينت فضلهم ، وعظيم مكانتهم بين الأنام ، وصدق الله تعالى إذ يقول : ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ) ( فاطر : ٢٨ ) وقال تعالى : ( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) ( المجادلة : ١١ ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( من سلك طريقًا يطلبُ فيه علمًا ، سلك اللهُ به طريقًا من طرقِ الجنةِ ، وإنَّ الملائكةَ لتضعُ أجنحتَها رضًا لطالبِ العِلمِ ، وإنَّ العالِمَ ليستغفرُ له من في السماواتِ ومن في الأرضِ ، والحيتانُ في جوفِ الماءِ ، وإنَّ فضلَ العالمِ على العابدِ كفضلِ القمرِ ليلةَ البدرِ على سائرِ الكواكبِ ، وإنَّ العلماءَ ورثةُ الأنبياءِ ، وإنَّ الأنبياءَ لم يُورِّثُوا دينارًا ولا درهمًا ، وإنَّما ورَّثوا العِلمَ فمن أخذَه أخذ بحظٍّ وافرٍ ) رواه أبو داود في سننه ، وصححه الألباني في صحيح أبي داود برقم ٣٦٤١ .
٥- من أسباب انشراح الصدر ، وسعادته ، وطمأنينته : الإنابة إلى الله عز وجل من الذنوب والخطايا ، والإقبال عليه بالطاعات والقربات ؛ قال الله تعالى : ( وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيب ) ( هود : ٨٨ ) وقال تعالى : ( وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيد * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيب ) ( ق : ٣١ – ٣٢ ) وقال تعالى : ( وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ) ( الزمر : ٥٤ ) وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي : ( قال اللهُ تعالى : يا ابنَ آدمَ ! إِنَّكَ ما دَعَوْتَنِي ، ورَجَوْتَنِي ؛ غَفَرْتُ لكَ على ما كان فيكَ ؛ ولا أُبالِي ؛ يا ابنَ آدمَ ! لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنانَ السَّماءِ ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لكَ ولا أُبالِي ؛ يا ابنَ آدمَ ! لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأرضِ خطَايا ؛ ثُمَّ لَقِيْتَني لا تُشْرِكْ بِيْ شَيْئًَا لأتيْتُكَ بِقِرَابِها مَغْفِرَةً ) رواه الترمذي في سننه ، وصححه الألباني في صحيح الترغيب برقم ٣٣٨٢ .
٦- ومن أعظم أسباب انشراح الصدر ، وسعادته الإكثار من ذكر الله تعالى ؛ وأعظم أنواع الذكر على الإطلاق تلاوة كتاب ربنا العزيز ؛ الذي قال الله فيه : ( وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ۖ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ) ( الزخرف : ٤٤ ) وقال تعالى : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) ( الحجر : ٩ ) وقال تعالى : ( الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) ( الرعد : ٢٨ ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( مَثَلُ الذي يَذْكُرُ رَبَّهُ ؛ والذي لا يَذْكُرُ رَبَّهُ ، مَثَلُ الحَيِّ والمَيِّت ) رواه البخاري ومسلم في صحيحهما .
ولذا كان الاعراض عن ذكر الله وطاعته ؛ سبباً عظيماً من أسباب الشقاء ، وضيق الصدر ؛ وكثرة الهم ، والغم ؛ وصدق الله تعالى إذ يقول : ( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا * وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ ) ( طه : ١٢٤ – ١٢٧ ) .
٧- ومن أسباب انشراح الصدر ، وسعادته : الإحسان إلى الخلق ؛ ونفعهم بكل طريقٍ يستطيعه العبد المسلم ؛ من مالٍ ، أو جاهٍ ، أو توجيهٍ ؛ أو غيرها ؛ قال الله تعالى : ( وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) ( البقرة : ١٩٥ ) وفي الصحيحين يقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( كُلُّ سُلامَى ) أي مفصلٍ في جسم الإنسان ( مِنَ النَّاسِ عليه صَدَقَةٌ ؛ كُلَّ يَومٍ تَطْلُعُ فيه الشَّمْسُ ، يَعْدِلُ بيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ ، ويُعِينُ الرَّجُلَ علَى دابَّتِهِ ؛ فَيَحْمِلُ عليها ، أوْ يَرْفَعُ عليها مَتاعَهُ صَدَقَةٌ ، والكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ ، وكُلُّ خُطْوَةٍ يَخْطُوها إلى الصَّلاةِ صَدَقَةٌ ، ويُمِيطُ الأذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ ) فأكثر الناس انشراحاً لصدورهم ، وطمأنينةً لقلوبهم ؛ هم أقرب الناس إلى عباد الله ؛ خدمةً ، وإحسانًا ؛ وتوجيهاً ، وارشاداً ؛ وتعاوناً واعانةً ؛ وأعظم من يستحق ذلك ، وغيره من وجوه الاحسان ؛ هما والداك ، وزوجتك ، وأولادك ، وإخوانك ، أخواتك ؛ ثم الأقرب فالأقرب من قرابتك ، وأرحامك ؛ وقد قال الله تعالى : ( وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا * وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا * رَّبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمۡۚ إِن تَكُونُواْ صَٰلِحِينَ فَإِنَّهُۥ كَانَ لِلۡأَوَّٰبِينَ غَفُورٗا * وَءَاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرۡ تَبۡذِيرًا * إِنَّ ٱلۡمُبَذِّرِينَ كَانُوٓاْ إِخۡوَٰنَ ٱلشَّيَٰطِينِۖ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِرَبِّهِۦ كَفُورٗا * وَإِمَّا تُعۡرِضَنَّ عَنۡهُمُ ٱبۡتِغَآءَ رَحۡمَةٖ مِّن رَّبِّكَ تَرۡجُوهَا فَقُل لَّهُمۡ قَوۡلٗا مَّيۡسُورٗا ) ( الإسراء : ٢٣ – ٢٨ ) وقد قال النبي صلى الله وسلم : ( الصَّدقةُ على المسْكينِ صدقةٌ ، وعلى ذي القرابةِ اثنتان : صدقةٌ ، وصلةٌ ) رواه ابن ماجه في سننه ، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه برقم ١٥٠٦ وقال صلى الله عليه وسلم : ( مَن سَرَّهُ أنْ يُبْسَطَ له في رِزْقِهِ ، أوْ يُنْسَأَ له في أثَرِهِ ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ) رواه البخاري ومسلم في صحيحهما .
٨- ومن أسباب انشراح الصدر ، وسعادته : سلامة صدره من الأحقاد الدنيوية ، والأضغان القلبية المنهية ؛ التي تورث العداوة والبغضاء بين العباد بعضهم على بعض ؛ فتجعل صدورهم ضيقةً حرجاً ؛ وقلوبهم مليئة بغضاً ؛ كيف وقد قال الله تعالى : ( يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) ( الشعراء : ٨٨ – ٨٩ ) وقال تعالى في صفات أهل الجنة جعلنا الله واياكم من أهلها : ( وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ ) ( الحجر : ٤٧ ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( إيَّاكُمْ والظَّنَّ ؛ فإنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الحَديثِ ، ولا تَجَسَّسُوا ، ولا تَحَسَّسُوا ، ولا تَباغَضُوا ، وكُونُوا إخْوانًا ) رواه البخاري ومسلم في صحيحهما .
٩- من أسباب انشراح الصدر وسعادته : التقرب إلى الله تعالى بترك الذنوب والمعاصي ؛ كبيرها ، وصغيرها ؛ قال الله تعالى : ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ) ( الشورى : ٣٠ ) وقال تعالى : ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) ( الحشر : ٧ ) قال عبدالله بن عباس : ” إنَّ للحسنة ضياءً في الوجه ، ونوراً في القلب ، وسَعةً في الرزق ، وقوةً في البدن ، ومحبةً في قلوب الخلق ، وإنَّ للسيئة سواداً في الوجه ، وظلمةً في القلب ، وضيقاً في الرزق ، وبُغضاً في قلوب الخلق ” .
١٠- وأخيراً من أسباب انشراح الصدر ، وسعادته : ترك فضول النظر ، والكلام ، والاستماع ، والمخالطة ، والأكل ، والنوم ، فإنَّ هذه الفضول تستحيل ألمًا ، وغمومًا ، وهمومًا في القلب ، وتحصره ، وتحبسه ، وتضيقه ، فلا إله إلا الله ما أضيق صدر من ضرب في كل آفةٍ من هذه الآفات بسهمٍ ، وما أنكد عيشه ، ولا إله إلا الله ما أنعم عيش من ضرب في كل خصلةٍ من تلك الخصال المحمودة بسهمٍ ، فكانت همته دائرةٌ عليها ، وله نصيبٌ من قوله تعالى : ( إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ) ( الانفطار : ١٣ ) ويا خسارة من فعل أسباب الشقاوة ، وضيق الصدور ، ونقص الإيمان في النفوس ، وزواله من قلوب أهل الاسلام ؛ قال تعالى : ( وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ) ( الانفطار : ١٤ ) اللهم زدنا ولا تنقصنا ، وأكرمنا ولا تهنا ، وأعطنا ولا تحرمنا ، وآثرنا ولا تؤثرنا علينا ، وارضنا وارض عنا ؛ برحمتك يا أرحم الراحمين
. اللهم آمين .



