مكافأة المحسن

بقلم: حسن بن محمد منصور مخزم الدغريري
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده ، والصلاة ، والسلام على من لا نبي بعده ، وعلى آله ، وصحبه ، ثمَّ أمَّا بعد :
أخي القارئ الكريم : لقد حثت شريعتنا الإسلامية الغراء على مكارم الأخلاق ، ومعالي الأمور ، ومن ذلك ردَّ الجميل إلى من أحسن إليك بقولٍ أو فعلٍ ، بكلامٍ أو تصرفٍ حسن ، بهديةٍ أو بكلمةٍ طيبة ، وصدق الله تعالى إذ يقول : ( هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ ) ( الرحمن : 60 ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ ، فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ ) رواه أبو داود في سننه ، وصحح الحديث الألباني في السلسلة الصحيحة برقم ٢٥٤ وفي الحديث : ( من صُنع إليه معروفٌ ؛ فقال لفاعلِه جزاك اللهُ خيرًا فقد أبلغ في الثَّناءِ ) وفي روايةٍ : ( من أَولَى معروفًا أو أُسدِي إليه معروفٌ ؛ فقال للَّذي أسداه جزاك اللهُ خيرًا ؛ فقد أبلغ في الثَّناءِ ) رواه الترمذي في سننه ؛ وصحح نحوه الألباني في صحيح الجامع برقم ٧٠٨ وغيرها من النصوص الشرعية في هذا الموضوع ، الدالة على هذا الخلق العظيم من أخلاق ديننا الاسلامي ، فمن أهدى لك هديةً فردَّ عليه مثلها أو أحسن منها ؛ رجاء ما عند الله ، ومن أكرمك بالزيارة والصلة فقم بزيارته وصلته طلباً للثواب من الله ، ومن أحسن إليك بالضيافة والإكرام ، فاجتهد في إكرامه وضيافته ما استطعت إلى ذلك سبيلا ، ومن ساهم في تفريج كربتك ، وتيسير أمورك ؛ فكافئه بما ترى من نفسك أنَّك قد كافأته وجزيته على إحسانه ؛ وغيرها من صور الإحسان التي يعجز البنان عن كتابتها وبيانها ، ومن أعظم من يستحق إحسانك وجميلك ، هما والداك ، اللذان تعبا في تربيتك والإحسان إليك منذ أن كنت حملاً في بطن أمِّك إلى أن بلغت مبلغ الرجال ، فصار لك بيتٌ ، وزوجةٌ ، وأولاد ؛ ومهما بلغ حالك ووضعك ؛ فأنت صغيرٌ في أعينهما يحزنان لحزنك ، ويفرحان لفرحك ، ويهمهما أمرك وحالك ، وصدق الله تعالى إذ يقول : ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ) ( الإسراء : ٢٣ – ٢٤ ) وفي الحديث المتفق عليه من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : (يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي ؟ قَالَ : أُمُّكَ ؛ قَالَ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : ثُمَّ أُمُّكَ ؛ قَالَ : ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ : ثُمَّ أُمُّكَ قَالَ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : ثُمَّ أَبُوكَ ) وفي سنن أبي داود ، بسند فيه ضعف من حديث أَبِي أُسَيْدٍ مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟ قَالَ : نَعَمْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا ) أي الدعاء لهما ( وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا ، وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا تُوصَلُ إِلَّا بِهِمَا ، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا ) فلنحسن إلى آبائنا وأمهاتنا أحياءً وأمواتاً بكل وجهٍ من أوجه البر والإحسان . أخي القارئ : ولا ننسى في هذا المقام أن نشيد بجهود دولتنا السعودية التي أمنت بلادنا ، وحرصت على صحتنا ، ورفعت عنا الجهل بالدين وغيره في مدارسنا وجامعاتنا ومساجدنا ، ونوعت فيها سبل العيش الكريم في ديارنا ، وغيرها من النعم التي لا تعد ولا تحصر ( وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ) ( النحل : ١٨ ) فشكر الله لولاة أمرنا هذه العناية والرعاية للمواطن والمقيم في ديارها ؛ فيجب أن نكون مع دولتنا ورجال أمننا سداً منيعاً ، وحصناً حصيناً ضد كلِّ مفسدٍ خوان يسعى في بلادنا السعودية وغيرها بالشر والفساد ؛ فوطنٌ لا نحميه لانستحق العيش فيه .
أخي القارئ : إنَّ كلَّ من أحسن إليك بأي نوعٍ من أنواع الإحسان يجب أن ترد إحسانه بإحسانٍ مثله أو أحسن منه ؛ ما استطعت إلى ذلك سبيلا ؛ لقول الله تعالى : ( لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ) ( الطلاق : 7 ) فإن لم يستطع فبكلمة طيبةٍ ؛ وثناءٍ حسن ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( اتَّقوا النَّار ولو بشِقِّ تمرةٍ فإنْ لم تجِدوا فبكلمةٍ طيِّبةٍ ) متفقٌ عليه ؛ ومن الكلمة الطيب أن تشكر من أحسن إليك وتثني عليه بخيرٍ ؛ قال صلى الله عليه : ( مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ ) رواه الترمذي في سننه ، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم 6541 ، ومن أعظم أنواع الشكر أن تقول لمن أحسن إليك : جزاك الله خيرا ؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم : ( إذا قال الرجلُ لِأَخِيهِ : جَزَاكَ اللهُ خيرًا ، فقد أَبْلَغَ في الثَّناءِ ) ومن الكلمة الطيبة الدعاء لمن أحسن إليك بظهر الغيب ؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ ، فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ ) وما أسهل الدعاء ، والذي لا يعجز عنه إلا غافل متثاقل ؛ فخير الدعاء هو الدعاء لأخيك المحسن بظهر الغيب ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ ، عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ كُلَّمَا دَعَا لِأَخِيهِ بِخَيْرٍ ، قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ : آمِينَ وَلَكَ بِمِثْلٍ ) رواه مسلمٌ في صحيحه ، اللهم إنَّا نسألك أن تعيننا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ، وأن تغفر لنا ولوالدينا كما ربونا صغارا ، وأن تعيننا على ردِّ الإحسان بالاحسان ، والإساءة بالعفو والغفران ، وأن تجازي من أحسن إلينا في هذه الدنيا بجميل إحسانك وعفوك ورحمتك ، وعظيم جودك وفضلك علينا إنَّك أنت البر الرحيم ؛ اللهم آمين .



