مرونة القائد .. في مواجهة الغموض

بقلم الكاتبة : حنان سالم باناصر
في عالم يتبدل إيقاعه كل يوم، وتتشكل تحدياته قبل أن تكتمل ملامحها، يبرز القائد المرن بوصفه القدرة القادرة على الإبحار وسط ضبابية المشهد دون أن يفقد اتجاهه. فالغموض لم يعد ظرفًا عابرًا، بل أصبح الحالة الطبيعية لبيئة العمل المعاصرة، نتيجة تسارع التقنية، وتعقيد الأسواق، وتغير سلوك العملاء، وظهور أزمات تفاجئ المؤسسات من حيث لا تحتسب. وفي خضم هذا المشهد، يبرع القائد المرن في تحويل الضباب إلى رؤية، والتقلبات إلى فرص، مستندًا إلى مزيج ذكي من البيانات المتاحة—even إن كانت ناقصة—وحدسه وخبراته لاتخاذ قرارات سريعة دون التنازل عن عمق التفكير.
وتنبع قوة هذا القائد من امتلاكه عقلية ترى في التحديات مساحة للتعلم والارتقاء، لا تهديدًا لطريقه، ومن رؤيته الواضحة التي تظل ثابتة في جوهرها، وقادرة في الوقت نفسه على تعديل تكتيكاتها بحسب ما تفرضه الظروف. كما يظهر أثر ذكائه العاطفي في قدرته على إدارة المشاعر وسط الضبابية، وخلق بيئة آمنة للفريق، بينما يشكل التواصل الشفاف جسراً يبدد القلق ويصنع الثقة.
وللوصول إلى هذه المرونة، تصبح الممارسات العملية جزءًا من يومياته؛ كالتدريب على سيناريوهات «ماذا لو» ليصبح العقل مستعدًا للاحتمالات المفاجئة، وتجربة الأفكار عبر مشاريع صغيرة منخفضة المخاطر، واستدعاء وجهات نظر مختلفة توسّع زاوية الرؤية وتمنع الوقوع في فخ التفكير الأحادي. كما يمنح القائد نفسه فسحة للتأمل ليبني حدسًا أكثر نضجًا وقدرة على ربط الأنماط الخفية، فيرى في الغموض مسارًا للابتكار لا عقبة في الطريق. ومع قوة فريقه، ووضوح هدفه، وتوازنه بين الثبات والمرونة، يتحرك بثقة تسمح له بصناعة قرار فعّال في الوقت المناسب.
وهكذا تتحول المرونة من مهارة إلى أسلوب حياة قيادي، يمكّن صاحبه من استشراف المخاطر والفرص قبل ظهورها، وتثبيت فريقه رغم تقلب الظروف، وصنع أثر يمتد ويستمر. فالقدرة على مواجهة الغموض ليست مجرد مهارة إضافية في جعبة القائد، بل هي بوابة بقائه وصناعته للفرق في عالم لا يتوقف عن التغيير.



