التمكين ..بين الحرية والانضباط

بقلم الكاتبة : حنان سالم باناصر
في الحديث عن التمكين، يبدو في ظاهره مساحة أوسع للحرية واتخاذ القرار، لكنه في جوهره منظومة أعمق تُبنى على الوعي والانضباط والمسؤولية. فالتمكين الحقيقي لا يقوم على منح الصلاحيات فقط، بل على إدراك الحدود التي تحمي الهدف من الانزلاق إلى الفوضى، وهو شعور يجعل الفرد جزءًا من رؤية كبرى، يُسمَع صوته ويُقدَّر جهده، وفي الوقت نفسه يدرك أن حريته مسؤولية يُحاسَب عليها قبل أن يُكافأ. وعندما يتوازن القرار مع الانضباط، تتولد المبادرة وتُزهر الإبداعات داخل إطار من الالتزام، ويصبح التمكين أداة لنموّ الأفراد لا لإرباك المنظومة.
ويتجلى أثر التمكين بصورة أوضح في تنمية الفريق؛ فالفريق لا ينمو حين تُمنح له الحرية وحدها، بل حين تُصقل مهاراته وتُبنى ثقته بنفسه ويُتاح له أن يخطئ ويتعلم، وأن يجرب ويبتكر من دون خوف، مع وجود ضوابط واضحة تحفظ الاتجاه. فالقائد المُمكِّن لا يكتفي بتوزيع المهام، بل يوزع القدرة على الفعل، ويمنح فريقه مساحة للتطور، ويخلق بيئة يشعر فيها كل فرد بأن دوره مؤثر وأن مكانته ليست مرتبطة بموقعه الوظيفي بل بقيمته الحقيقية. وعندما يتعلم الفريق اتخاذ القرار في ضوء قيم واضحة ونظام منضبط، فإنه يتحول من مجموعة أفراد إلى طاقة جماعية قادرة على تحريك المؤسسة كلها نحو الأمام.
فالحرية التي لا يوجهها وعي تتحول إلى عبء، والانضباط الذي يخلو من القيم يصبح سجنًا. وكل فعل في هذا الكون تحكمه سنن كونية ثابتة تحدد نتائجه قبل أن نصل إليها؛ نحن نختار أفعالنا لكننا لا نختار نتائجها. من يقفز من ارتفاع شاهق يختار القفز، لكنه لا يملك النجاة أمام قانون الجاذبية. ومن يتجاهل الآخرين يختار السلوك، لكنه لا يملك الحفاظ على المودة أمام قواعد التواصل الإنساني. ومن يسير بلا وجهة يختار الطريق، لكنه لا يملك بلوغ النجاح أمام مبدأ السببية الذي لا يُجامل أحدًا.
وهنا يتجلى التمكين بمعناه الأعمق: أن تمارس حرّيتك من خلال القيم لا ضدّها، وأن يكون الانضباط قوة داخلية لا قيدًا خارجيًا، وأن تُنمّي فريقك لا بتقييده ولا بإطلاقه دون توجيه، بل ببناء الوعي الذي يجعله قادرًا على أن يختار الصواب طوعًا. فالتمكين ليس أن تفعل ما تشاء، بل أن تختار ما يثمر نفعًا ويصنع أثرًا ويعزز قيمة العمل المسؤول. وعند هذا المستوى تتحول الحرية إلى مسؤولية ناضجة، ويغدو الانضباط وعيًا يقود إلى الإبداع والازدهار، وتنهض المؤسسات لا حين تُفلت الأيدي من كل ضابط، بل حين تنضج العقول لتدرك أن أعظم صور الحرية هي أن تختار الانضباط طوعًا، وأن أعظم صور التمكين هي أن تُنمّي فريقًا قادرًا على أن ينهض بنفسه قبل أن ينهض بعمله
.



