مابين أول الفهم وتمام الإمتنان

بقلم الكاتبة: أحلام عبده اليحياوي
قبل قرابة عشرين عامًا، وعلى مقاعد الدراسة، كتبتُ أول مقالة لي في مسابقة مدرسية عن قوله تعالى:
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾،
وكان لها أن تفوز بالمركز الأول. يومها استشعرتُ معنى الآية بصفائها الأول، كما يدركها القلب حين يكون في بدايات وعيه؛ رأيتُ النِّعَم في ظاهرها، فيما يُرى ويُعدّ ويُشكر.
واليوم، وبعد مرور السنوات وتراكم التجارب، أجدني أعود إلى الآية ذاتها، لا بوصفها ذكرى، بل بوصفها مرآة أعمق. أقرأها بعينٍ نضجت، وقلبٍ تعلّم أن بعض النِّعم لا تُرى، وأن أعظمها ما يتخفّى في التحوّلات، وفي الصبر، وفي النجاة، وفي التهذيب الهادئ للنفس.
صرتُ أرى نعم الله في ما مضى كما في ما تأخّر، في المنع كما في العطاء، وفي ما ظننته يومًا خسارة فإذا هو رحمة مؤجَّلة.
ومع عتبة الأربعين، يتبدّل الشكر من كلمات تُقال إلى وعيٍ يُعاش. فيصبح الامتنان فهمًا، والرضا اختيارًا، ويغدو النضج نعمةً قائمة بذاتها. عندها فقط ندرك أن الوصول ليس في كثرة ما نملك، بل في عمق ما نفهم.
فأجدد الشكر اليوم لا ببراءة البدايات، بل بحكمة السنين، مرددةً دعاء الامتنان الخالص:
“رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنْ الْمُسْلِمِينَ” .


