مقالات

وراء كل إنسانٍ عظيمٍ مكتبة

بقلم: د / مشاعل الغفيلي

بقلم: د / مشاعل الغفيلي

(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) في البدء كانت (اقْرَأْ) ثم تشكّل الكتاب، في البدء كانت (اقْرَأْ)، فعلُ أمرٍ مبنيٌّ على علمٍ خطابيٍّ لفرد للدخول لبوابة المعرفة لاستيعاب أسئلةٍ كبرى تظل معلّقة، لا يُنزلها من علياها غيرُ (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ).
القراءة اليوم ليست ترفًا معرفيًا هي الكتابُ الجليسٌ الذي لا يُملّ، والصديقٌ الذي لا يَغدرُ، والمُعلّمٌ الذي لا يُخطئُ، تمنح الفرد “بوصلةً” للفهم، ومعيارًا للحكم، وقدرةً على الاختيار. بها يتكوّن وعيه، وتتشكّل ذائقته، ويتحدّد موقفه من العالم لإعادة فحص أفكاره والنظر في مسلّماته ومراجعه. ماذا يريد الكاتب؟ ليكون شريكًا يقظًا في الحوار: أن يُشكّك فيما كان يعتبره يقينًا بوصفه استجابةً تُقدّم الحُجّة، وتزنُ الكلمةَ بميزان الفكرة.
“اقْرَأْ” كلمةٌ تحمل دلالاتٍ ثقافيةً وتصورًا واسعًا عن المعرفة، وأن الفهم يمرّ عبر النص؛ حتى انعكس ذلك في الاهتمام بالتعلّم، في الكتاب كمرجعيةٍ للمعرفة، والقراءة للفهم والانفتاح واستيعاب المفهوم، وثراء خزائن المفردات التي تُشعل وقود الكتابة الجيدة. عندما تمسك كتابًا بيدك تمسك تجربةً إنسانيةً ورحلةً مليئةً بالمعرفة.
—————————
بين الكمّ والكيف مساحةُ فهمٍ، ومسافةُ وعيٍ وتأمّل.

القراءةُ عمليةٌ ذاتيةٌ متعدّدةُ التأثير؛ الكلُّ يستطيع أن يقرأ، لكن ليس الكلُّ يستطيع النقدَ وتفكيكَ الحوار بإضاءة الوعي. ومساحةُ الكمّ والكيف تقيس عمقَ اتّساع آفاق ثقافة القارئ، وكيف يتلقّى تلك المعرفة، وقدرةَ عقله على توظيفها، وتجلّي أثرها في نمط تفكيره وشخصيّته وسلوكه؛ بحيث تصبح القراءةُ فعلًا عميقًا في السلوك ينعكس أثرُه في تعامله إجمالًا وتفصيلًا، لا مجرّد إنجازٍ عدديّ. ويغدو الكتابُ الواحد مساحةَ أخذٍ وردٍّ وتفاعلٍ بين الكاتب والقارئ، تتّسع كلّما عدنا إليها.
—————-
مراجعة القراءة:
كتابةُ مراجعاتِ الكتب هي زكاةُ القارئ لمقروءاته، وأفضلُ وسيلةٍ لشكر الكاتب. فإذا كانت القراءةُ إحياءً للكتاب، فمراجعةُ الكتاب إطالةٌ في عمره، وتمديدٌ لعمر كاتبه؛ وهي التوصيةُ المُحبّة التي يقدّمها القارئُ الشغوف لآخر. لذا تدعو القراءةُ القارئَ للتحرّك نحو الآخر للتأثير وترك الأثر، من خلال مراجعة الكتب، أحد أشكال ثمرة القراءة وتعدية نفعها. أن يكتب ليقرأ الآخر، أن يراجع استحضارًا ويُحدث حراكًا ثقافيًا في المشهد.
يقدّم الكاتب الأمريكي تيم باركس في مقالة بعنوان «سلاح القراءة» حلًّا مقترحًا لتعزيز مكانة القراءة لدى الطلبة وأفراد المجتمع، يتمثّل في تطوير مهارة مناقشة المقروء لديهم؛ إذ يرى أن سلاح القراءة هو القلم: أي أن تقرأ والقلم بيدك، تناقش الكتاب وتسائله، تعترض عليه وتتّفق معه، ويومئ موصيًا قائلًا: «اقرؤوا والقلم بيدكم، ليس بجانبكم على الطاولة، لكن بالفعل في يدكم، جاهز، مسلّح، ودومًا اكتبوا ثلاثة أو أربعة تعليقات على كل صفحة، على الأقل تعليقًا نقديًّا واحدًا حتى لو كان عدوانيًّا، ضعوا إشاراتِ استفهام بالقرب من كل ما تجدونه مشبوهاً، وضعوا خطًّا تحت أي شيء تقدّرونه حقًّا، كونوا أحرارًا».
——————-
القارئ الجسر:
القراءةُ الكثيرة إن لم يكن معها عقلٌ يفكّر باستقلالية، وإلّا أصبح القارئ مجرّد نسخةٍ إضافية، مهمّتُه إيصالُ صوت غيره؛ ليكون ضمن حشدٍ مُسيّرٍ حُرم من التفكير وسلّم عقلَه لمن يفكّر بالنيابة عنه، ويقرّر عنه، ويحدّد له الصواب والخطأ، وما يجب فعله، وما ينبغي تركه. وهذا لا ينبغي لنا ونحن أمة: (لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ). فالعقلُ البشري يملك القدرةَ والحقَّ في التفكير المستقل. يجب علينا أن نخرج من مدرسة الرأي الواحد، وأن نخلق شخصيةً فريدةً تدير الأفكار بعقلها، وليست الأفكار هي من تديرها، وأن نتعرّف على الآراء الإيجابية الأخرى والناقدة، ونتجاوز هذه التركيبة الذهنية إلى أمورٍ حياتيةٍ أهم، وهي القدرة على صناعة القرار وفاعلية الحوار.
القراءةُ العشوائية وتكدّسُ المعلومات تحت ركامٍ مُعتمٍ تُشوّه الوعي؛ فيقوم القارئ معها بدور “الجسر” الذي ينقل كلَّ شيء، لكنه لا يمارس بعدُ وظيفةَ المثقف في الفهم العميق والتفكير النقدي. هو فقط يكرّر الآراء، ويقوم بالنقل الأعمى للأفكار دون نقدٍ أو تكييف. يتباهى بمعرفة السيمفونية التاسعة لبيتهوفن، ويكتب اقتباساتٍ من روايات إيزابيل أو ماركيز، أو يحفظ أشعار المتنبي؛ فكل ذلك قد يكون مقتضى معرفةٍ أو ثقافةٍ عامة، وقد يستجيب لاحتياجاته للمعنى الذي يبحث عنه أو للمباهاة، لكنه لا يحمي من الانزلاق في متاهة الهشاشة الفكرية.
—————————
القارئ المثقّف:
قبل قراءةِ الثقافة، لا بدّ من ثقافةِ القراءة أولًا..
الثقافة ليست مكانةً محصورةً في طبقةٍ اجتماعية، ولا مرتبطةً بلقبٍ أو مهنة، بل هي سلوكٌ ومسؤولية. إنها طريقةُ تعامل الإنسان مع المعرفة: كيف يكتسبها، وكيف يختبرها، وكيف يحوّلها إلى وعيٍ وأثرٍ في المجتمع.
المثقّف هو الإنسان القارئ المتمكّن من معرفةٍ ما، لكنه لا يقف عند امتلاكها، بل يمتلك القدرةَ النقدية في التعامل معها عبر إضاءةٍ تصنع الوعي: يحلّ الإشكالات، ويفكّك الأسئلة، ويقود الناس إلى الفهم، ويوضح ما وراء النص والكلمة والحوار. يملك القراءة الواعية التي تحرّك العقل في دائرة التفكير المشبع بالمعنى؛ من يقينِ الإجابة إلى أسئلةٍ تشكّل تحديًا لقناعاتٍ، تحرّر العقل من الوصاية، وتبني الوعي المتحرّك بالبصيرة في البحث عن ذاتٍ أفضل بعمقٍ ورؤية.
إذا كانت الثقافةُ محرّك الإنسان، فإن المثقّف أحد أهم تجلّياتها الواعية. فحين تستحوذ الفكرة على الإنسان وتستقرّ في وعيه، تُحدِّد له موقعًا ودورًا داخل المجتمع يساهم في التغيير؛ لأن الفكرة حين تتحوّل إلى وعيٍ حيّ تكون وظيفةً اجتماعية، وهذه الوظيفة شكلٌ من أشكال الحراك الذي يُفترض أن يقوم به المثقّف كموقفٍ عملي ومسؤوليةٍ اجتماعية، وليس مجرّد تراكمٍ للمعرفة الثقافية أو المكانة الاجتماعية. بل تمتدّ إلى الانشغال بالقضايا العامة والمشاركة فيها بالرأي والموقف، والتفاعل مع كل خيوط النسيج الثقافي في المجتمع. والالتفاتُ إلى المشكلات التي تواجهها الحياةُ الاجتماعية والثقافية من أولويات المثقّف، بالتطرّق إليها بالكتابة والحوار وتحليل الواقع واستشرافه، وتقديمه للآخرين برؤيا مستبطنةٍ وواعية.
لا تكتمل صورةُ المثقّف، ولا يستحقّ حملَ هذه الصفة ما لم يُتمّ وظيفته المعرفية بوظيفةٍ اجتماعية تُخرجه من فرديته إلى أفقٍ اجتماعي أرحب. عندها يتجدّد معنى المثقّف: ينتقل من لحظة “أنا أفكّر” إلى لحظة “أنا موجود”، ويصبح وسيطًا بين المعرفة والجماهير؛ فتغدو الأفكارُ قوةً مادية عندما تتبنّاها الجماهير وتتحوّل إلى فعلٍ وحضورٍ في الواقع.

 

بين تربية النفس في “القرآن الكريم” وبناء النفس عند “فرويد” 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬