حين تغيّرنا الحياة… فنكبر على ظلالنا الأولى

بقلم : د.سوسن توفيق حنفي
“يمرّ الإنسان بوجوه كثيرة في حياته،
لكنّ أكثرها صدقًا… ذاك الذي يولد بعد تجربةٍ لا يمكن نسيانها.”
كأن الهويّة ليست هيئة ثابتة، بل نهرُ حياةٍ لا يكفّ عن تبديل مجراه.
وكلُّ تجربة تصب في ماء الروح تغيّر حتمًا لونه، وملمسه، ورائحته، واتجاهه.
الناس جميعًا يتغيّرون مع العمر، فالحكمة تأتيهم مع الزمن، وتتكشف أمامهم الحقائق كلما مرّت السنوات.
لكن حياة طبيب الطوارئ تختصر الزمن، وتضغط التجربة حتى تصبح مكثّفة، و حادّة، و كفيلة بأن تغيّر الإنسان قبل موعد تغيّره الطبيعي.
فما يمرّ بنا -بين غرفة إنعاشٍ وأخرى، وبين حياةٍ تُنتشل وأخرى تُغلق أعينها – يكبر بنا سريعًا، يسرّع نضجنا، ويمنح هويّتنا ملامحا جديدة ما كنّا لنكتسبها بهذه السرعة لو عشنا حياةً عادية.
يحدث أحيانًا أن نستيقظ فلا نجد النسخة القديمة من أنفسنا.
كبرنا عليها كما يكبر العقل على بساطته الأولى.
تغيّرت أولوياتنا، وكثير من أهدافنا، وتغيّرت حساسيتنا، وتغيّرت تلك الرهافة القديمة التي كانت تنكسر من التفاصيل الصغيرة.
وعند تلك اللحظة يبدأ الإنسان في فهم بيت جلال الدين الرومي في معناه الأصلي:
“بالأمس كنتُ ذكيًّا فأردت أن أغيّر العالم، واليوم أنا حكيم، لذلك أغيّر نفسي.”
فالذكاء يدفعنا نحو الخارج، نحو محاولة إصلاح كل شيء،لكن الحكمة تدفعنا نحو الداخل:
إلى تلك النقطة الدقيقة التي يبدأ منها كل تغيير: نحن “ذواتنا ”
وفي الطوارئ، حيث تتقاطع الحياة والموت كل ساعة،تنقش التجارب على أرواحنا خطوطًا لا تُمحى:
طفل يعود للوعي بعد غيبوبة،
أمّ تسلّم قلبها لطفل لا يستجيب،
شيخ يضغط على يدك وهو يسلم آلروح كأنها آخر خيط يشدّه إلى الدنيا.
هذه ليست مشاهد عمل…
إنها علامات على الروح، وتنبيه خفي بأن كل ما نراه يغيّرنا.
وهنا يظهر معنى قول نيتشه في أصله:
“ما لا يقتلني يجعلني أقوى.”
لكن هذه القوة ليست قسوة، ولا جلدًا سميكًا…
إنها صلابة داخلية هادئة،
قوة النجاة،
قوة الفهم،
قوة أن ترى العالم بعمقٍ أكثر واندفاعٍ أقل.
ومع كل ما نعيشه -نحن وغيرنا- تنبثق تلك الحقيقة الهادئة التي تفرض نفسها دون استئذان:
نعم، أتغيّر.
فالعقل ينضج، والحقائق تتضح،
ونظرتي للأمور تختلف،
واستيعابي يتّسع…
فلماذا لا أتغيّر؟
التغيّر ليس عيبًا ولا اضطرابًا، بل دليل حياة.
هو ما يقول أن الروح لا تزال تستجيب، وأن القلب لم يتخشّب، وأن العقل ما زال قادرًا على النمو.
ومادامت التجارب تكبر فينا – خاصة في حياةٍ تُعرض أمامنا فيها ملامح الموت والحياة في اليوم عشرات المرّات – فمن الطبيعي أن تتغيّر نسختنا الداخلية.
وهذه الحقيقة تتناغم مع كلمات نجيب محفوظ التي حملت فلسفة ناضجة حين قال:
“نحن لا نموت حين تفارقنا الروح وحسب،
نموت قبل ذلك حين تتشابه أيامنا،
ونتوقف عن التغيير،
حين لا يزداد شيء سوى أعمارنا وأوزاننا.”
إنها ليست نظرة سوداوية…
بل دعوة إلى ألا نموت ونحن أحياء.
ألا نُبقي أرواحنا ثابتة، صمّاء، مكرّرة.
ومع ازدياد التجارب، تتغيّر طريقة تفكيرنا وقراراتنا وعواطفنا.
نتخلّى عن المبالغات، ونمنح وزنًا حقيقيًا لما يستحق الحزن وما لا يستحق.
نعرف من يجب أن يبقى، ومن يجب أن يُترك،
ونرى العالم بحجمه الحقيقي، لا بحجمه الذي تخيّلناه.
وعند نقطة ما، نفطن لحكمة ما قيل :
“ما مضى فات، وما هو آتٍ آتٍ.”
ليس لأننا استسلمنا…
بل لأننا أدركنا أن الماضي صفحة مطوية،
وأن المستقبل قادمٌ مهما حاولنا إيقافه،
وأن اللحظة التي نعيشها الآن هي المكان الوحيد الذي تتشكل فيه هويّتنا الجديدة.
وفي نهاية كل ليلة، حين نخرج من الطوارئ، منهكين لكن أكثر فهمًا،
نعرف أننا لم نكبر فقط في العمر…
بل كبرنا مبكرًا.
كبرنا على الخوف،
على الاندفاع،
على القلق الذي كان يلتهم ليالينا،
على التفاصيل التي كانت تجرحنا بسهولة،
وعلى تلك النسخة التي كانت تبحث عن المعنى في الخارج لا في الداخل.
كبرنا على أنفسنا القديمة…
وصِرنا أقرب إلى حقيقتنا الجديدة.
وفي النهاية : حين نتحرّر من ظلالنا الأولى
نعرف أن الإنسان لا يعود كما كان بعد كل سقوط وكل نهضة، وكل خطوة وكل عثرة.
بل يعود أصفى قليلًا، وأعمق قليلًا، وأهدأ بكثير.
ندرك أن الحكمة ليست معلومة تُحفظ،
بل أثرٌ يتركه الزمن على قلوبنا دون حبر.
وكل تجربة نمر بها تعيد صياغة ملامحنا،
وتصنع عمرًا جديدًا في داخلنا.
عمرًا لا يُقاس بالسنوات،
بل بالمرّات التي تغيّر فيها قلبنا،
وخرجنا من التجربة أكثر قدرة على الحياة.
فالإنسان تُعاد صياغة هويّته مرارًا،
ويعاد خلط ملامحه الداخلية مرة بعد أخرى،
حتى لا يكاد يبقى منه من أيامه الأولى
إلا الاسمُ المكتوب في بطاقة هويّته.
أما ما عداه، فيكبر ويتبدّل ويتشكّل مع العمر والتجربة والنضج.
والعاقلُ هو من يدرك هذا التحوّل،
فيُحاول أن يُبرز النسخة الأفضل من نفسه،
ويُنقّي ما اعتراه من شوائب،
ويجعل من كل تجربةٍ سلّمًا،
ومن كل جرحٍ نافذة،
ومن كل تغيّرٍ فرصة لصقل روحه وتحسين هويّته،
لا للهروب من ماضيه، بل للنهوض منه.



