الأمان بين الرجل والمرأة

بقلم الكاتبة: فاطمة عواجي
ليست كل الانهيارات تبدأ بالحروب، ولا كل الأزمات تصنعها الظروف، فبعض المجتمعات يبدأ تصدّعها من داخل البيوت، حين تتحول المودّة إلى صراع، والاحتواء إلى جفاء، والقوة إلى تسلّط، والضعف إلى خوف، فيفقد الإنسان أمانه في المكان الذي خُلق ليجد فيه سكينته.
ولعلّ أعظم ما نتأمله في بداية الوجود الإنساني أن الله لم يجعل الإنسان يعيش وحده، بل جعل له من نفسه زوجًا يسكن إليها، وجعل بينهما مودة ورحمة. لم تكن الحكاية مجرد رجل وامرأة اجتمعا لتستمر الحياة، بل كانت تأسيسًا لمعنى عميق: أن الحياة لا تستقيم بالقوة وحدها، ولا بالعاطفة وحدها، وإنما بالتكامل الذي يحفظ لكل طرف كرامته ومكانته.
لم يُخلق الرجل ليكون خصمًا للمرأة، ولا خُلقت المرأة لتكون منافسًا للرجل. فالقوة الحقيقية ليست في إخضاع من نحب، بل في حمايته من الخوف، والأنوثة ليست ضعفًا يستباح، بل روحًا تستحق أن تُصان وتُحترم. وما أجمل أن يكون الرجل قويًا في مواقفه، رحيمًا في تعامله، وأن تكون المرأة مطمئنة إلى أن ضعفها العابر لن يصبح يومًا سلاحًا يُستخدم ضدها.
فالمرأة لا تحتاج رجلًا تخشاه لتُطيعه، بل رجلًا تأمنه فتطمئن إليه، والرجل لا يحتاج امرأة تنكسر أمامه ليشعر بقيمته، بل امرأة يجد في قربها سكينةً تُخفف عنه قسوة الحياة.
وحين يدرك كلاهما أن الكرامة لا تتجزأ، وأن الاحترام لا يُنتزع بالقوة، وأن المودة لا تعيش تحت التهديد، تتحول العلاقة من مجرد ارتباط إلى وطن صغير؛ لا يخشى فيه أحد أن يكون على طبيعته، ولا يضطر فيه أحد إلى إخفاء أوجاعه خوفًا من أن تُستغل ضده.
لكن المأساة تبدأ حين ينسى الرجل أن قوته مسؤولية وليست امتيازًا للتسلط، وتنسى المرأة أن الشراكة ليست ساحة لإثبات الغلبة. عندها تصبح الكلمات سهامًا، والمواقف معارك، ويغدو البيت الذي كان يفترض أن يكون ملاذًا أول مكان يبحث الإنسان عن النجاة منه.
والأشد ألمًا أن هذا الخلل لا يتوقف عند طرفي العلاقة؛ بل تمتد آثاره إلى أطفال يتعلمون معنى الحب من خلافات والديهم، وإلى أجيال قد تكبر وهي تظن أن القسوة رجولة، وأن الصمت ضعف، وأن العلاقات لا تقوم إلا على انتصار طرف وانكسار الآخر.
وهنا لا نخسر علاقة فحسب، بل نخسر شيئًا من سلام المجتمع، لأن البيوت التي يغيب عنها الأمان يصعب أن تمنح أبناءها الطمأنينة.
إننا لا نحتاج إلى إعادة تعريف الرجل والمرأة بقدر حاجتنا إلى استعادة المعنى الإنساني للعلاقة بينهما؛ أن تكون القوامة عدلًا ورعاية ومسؤولية، لا قهرًا واستعلاءً، وأن تكون الشراكة مودةً وتقديرًا لا صراعًا على السلطة، وأن يدرك الاثنان أن الاختلاف بينهما ليس سببًا للتنازع، بل مساحة للتكامل.
فليس أعظم من رجل تزداد المرأة بقربه أمانًا، ولا أجمل من امرأة يجد الرجل معها راحةً لا تمنحها له ضوضاء العالم بأسره.
وأخيرًا…
لن تستقيم العلاقات حين ينتصر الرجل على المرأة، أو تنتصر المرأة على الرجل، بل حين ينتصر كلاهما على الأنانية والقسوة وسوء الفهم.
فالحياة لم تُبنَ ليكون أحدهما عبئًا على الآخر، وإنما ليكون كلٌّ منهما سكنًا لصاحبه.
وما أحوج هذا العالم إلى أن يفهم أن أعظم انتصار في العلاقة ليس أن تكون الأقوى، بل أن تكون الأمان الذي لا يخاف الآخر أن يضع قلبه بين يديه.
فحين يصبح الحب أمانًا، والاختلاف رحمة، والقوة احتواءً… لا تستقيم العلاقة وحدها، بل تبدأ من داخلها طمأنينة جيلٍ بأكمله.




