حين يُكرَّم المعلم… يُحتفى بأثرٍ لا تنتهي حدوده

بقلم الكاتبة: أشواق سليمان قاسم
هناك لحظات في حياة الإنسان لا تُقاس بقيمتها المادية، ولا بما تحمله من شهادات ودروع، وإنما بما تختزنه من سنوات العطاء، وما تختصره من رحلة طويلة من العمل والإيمان برسالة لم تكن يومًا مجرد وظيفة.
ومن هذه اللحظات، أعيش اليوم مشاعر الاعتزاز والامتنان بمناسبة اختياري ضمن المكرّمات من الإدارة العامة للتعليم بمحافظة جدة، بمناسبة اليوم العالمي للمعلم وتقديرًا للتميز والإنجازات التعليمية، في احتفاء يحظى بحضور صاحب السمو أمير محافظة جدة ومدير عام التعليم.
إنه تكريم أعتز به، لكنه بالنسبة لي يتجاوز حدود الإنجاز الشخصي؛ لأنه يعيد إلى ذاكرتي سنوات من التجارب والتحديات والنجاحات، ووجوه طالبات تركن في نفسي أثرًا كما أرجو أن أكون قد تركت في نفوسهن أثرًا طيبًا.
وهنا أجد نفسي أتساءل: هل يُكرَّم المعلم لما أنجزه بالأمس، أم لما زرعه في نفوس طلابه ليصنعوا به الغد؟
أعتقد أن الإجابة تكمن في الاثنين معًا.
المعلم… رسالة تتجاوز حدود الفصل
خلال مسيرتي في التعليم، أدركت أن أعظم ما يمكن أن يقدمه المعلم ليس المعلومة وحدها، بل الثقة التي يزرعها في نفس طالب، والقدرة التي يكتشفها في طالبة، والفرصة التي يفتحها أمام عقل يبحث عن طريقه.
فقد تنسى الطالبة تفاصيل درس، لكنها لا تنسى معلمة آمنت بقدرتها حين كانت تشك في نفسها.
وقد تتغير المناهج والاختبارات والوسائل التعليمية، لكن الأثر الإنساني الصادق يظل حاضرًا.
ولهذا أرى أن التميز التعليمي لا ينبغي أن يُقاس فقط بنتائج الاختبارات أو عدد البرامج المنفذة، وإنما كذلك بما نحدثه من تحول في تفكير المتعلم، وثقته بنفسه، واستعداده للمستقبل.
فالمعلم الناجح لا يصنع طالبًا يعرف الإجابة فحسب، بل يصنع إنسانًا يمتلك الشجاعة لطرح السؤال.
من التميز الفردي إلى صناعة الأثر الجماعي
لم أعد أرى نجاح المعلم رحلة فردية تنتهي عند حدود فصله الدراسي.
فكل تجربة ناجحة تستحق أن تُنقل، وكل ممارسة تعليمية متميزة تستحق أن تتوسع، وكل خبرة تراكمت عبر السنوات يمكن أن تختصر على معلم آخر طريقًا طويلًا من المحاولة والتجربة.
ومن هنا كان اهتمامي بتطوير المعلمات، وتبادل الخبرات، وتوظيف التقنية، والمشاركة في المبادرات التي تسهم في تحسين جودة التعليم.
فالمعلم حين يشارك معرفته لا يفقد منها شيئًا، بل يضاعف أثرها.
وهذا ما يجعلني أؤمن بأن الانتقال من ثقافة الإنجاز الفردي إلى ثقافة المعرفة المشتركة يمثل أحد أهم التحولات التي يحتاج إليها مستقبل التعليم.
المعلم والذكاء الاصطناعي… شراكة تصنع المستقبل
يأتي هذا التكريم في مرحلة استثنائية من تاريخ التعليم؛ مرحلة أصبح فيها الذكاء الاصطناعي حاضرًا في حياتنا اليومية، وأصبحت المعرفة متاحة بصورة لم تعرفها الأجيال السابقة.
ولذلك فإن السؤال الذي يشغلني ليس: هل ستأخذ التقنية مكان المعلم؟
بل: كيف نُمكّن المعلم ليقود هذا التحول بدلًا من أن يكتفي بمواكبته؟
أؤمن بأن الذكاء الاصطناعي يستطيع مساعدة المعلم في التخطيط والتحليل وتخصيص التعلم، لكنه لا يستطيع أن يحل محل العلاقة الإنسانية التي تمنح التعليم روحه.
فالتقنية قد تساعدنا على فهم مستوى الطالبة، لكن المعلمة هي من تستطيع أن تفهم ظروفها، وتحتوي قلقها، وتكتشف موهبتها، وتمنحها الدافع للاستمرار.
ولهذا فإن مستقبل التعليم لا يحتاج إلى معلم يخشى التقنية، ولا إلى تقنية تتجاهل المعلم، بل إلى معلم متمكن يقود التقنية ويوظفها لخدمة الإنسان.
من المدرسة إلى المجتمعات الرقمية التعليمية
وفي امتداد اهتمامي بمستقبل التعليم، جاءت رؤيتي لمشروع «مجتمع علم الرقمي»، الذي أسعى من خلاله إلى بناء مجتمع تعليمي يجمع الطلاب والمعلمين وأولياء الأمور والخبراء وأصحاب الاهتمامات المشتركة.
لقد علمتني التجربة أن المعرفة موجودة، والخبرات متوافرة، والطموحات كثيرة، لكن ما ينقصنا أحيانًا هو المساحة التي تجمع هذه العناصر وتحولها إلى تفاعل وتعاون وفرص حقيقية.
ومن هنا أرى أن المجتمعات الرقمية التعليمية يمكن أن تكون امتدادًا طبيعيًا لرسالة المعلم، لا بديلًا عنه.
فخبرة معلمة في جدة يمكن أن تصل إلى معلمة في الرياض، وتجربة تعليمية ناجحة في مدرسة يمكن أن تتحول إلى معرفة يستفيد منها آلاف المعلمين والطلاب.
وهكذا يتجاوز أثر المعلم المكان والزمان، ويتحول من أثر فردي إلى قيمة معرفية واجتماعية واقتصادية مستدامة.
تكريم المعلم استثمار في مستقبل الوطن
حين تكرّم المؤسسات التعليمية معلميها ومعلماتها، فإنها لا تحتفي بأشخاص فقط، بل تعلن تقديرها للمعرفة، وللجهد، وللمسؤولية التي يحملها من يقفون أمام الأجيال كل يوم.
وفي المملكة العربية السعودية، حيث تمثل تنمية القدرات البشرية أحد المحاور المهمة لرؤية السعودية 2030، يصبح تمكين المعلم وتقدير إنجازاته جزءًا من الاستثمار في مستقبل الوطن.
فلا يمكن بناء اقتصاد معرفي دون تعليم نوعي، ولا يمكن تحقيق تعليم نوعي دون معلم يمتلك المعرفة والمهارة والدافعية والمكانة التي يستحقها.
إن تكريم المعلم ليس نهاية رحلة الإنجاز، بل رسالة ثقة تدفعه إلى مسؤولية أكبر وأثر أوسع.
امتنان بحجم المسؤولية
وفي هذه المناسبة، أتقدم بخالص الشكر والتقدير للإدارة العامة للتعليم بمحافظة جدة على هذه اللفتة الكريمة، وعلى ما توليه من اهتمام بتقدير المعلمين والمعلمات وتحفيز التميز في الميدان التعليمي.
كما أعبّر عن اعتزازي بهذا الاحتفاء الذي يحظى بحضور صاحب السمو أمير محافظة جدة ومدير عام التعليم، بما يعكس مكانة المعلم وأهمية رسالته في بناء الإنسان وتنمية المجتمع.
وأهدي هذا التكريم إلى كل طالبة كانت جزءًا من رحلتي، وإلى زميلاتي اللاتي تشاركت معهن الخبرة والطموح، وإلى القيادات التعليمية التي تؤمن بأن التقدير يصنع دافعًا جديدًا للعطاء، وإلى أسرتي التي كانت سندًا لي في مسيرتي.
وأقول لكل معلم ومعلمة:
لا تنتظروا لحظة التكريم لتؤمنوا بقيمة ما تقدمونه؛ فقد تكون أعظم إنجازاتكم اليوم تسير في مكان ما على هيئة إنسان نجح لأنه وجد من يؤمن به.
أما أنا، فأستقبل هذا التكريم بامتنان عميق، وبقناعة أكبر بأن أمامنا الكثير لنقدمه للتعليم، وأن طموحي لا يتوقف عند ما تحقق، بل يمتد إلى ما يمكن أن نصنعه معًا من فرص ومعرفة وأثر.
فقد يُكرَّم المعلم في يوم، لكن أثره يُكتب في حياة أجيال.
وإذا كانت التقنية تصنع أدوات المستقبل، فإن المعلم هو من يصنع الإنسان القادر على بناء ذلك المستقبل.




