المجتمعات الرقمية… الاقتصاد القادم بعد عصر منصات التواصل

بقلم الكاتبة: أشواق قاسم
لدينا اليوم آلاف المتابعين، وملايين المشاهدات، ومحتوى لا يتوقف عن التدفق أمامنا على مدار الساعة. لكن وسط هذا الاتصال الهائل، يبرز سؤال مختلف:
هل نحن فعلًا نتواصل… أم أننا أصبحنا فقط نتابع بعضنا؟
من هنا أعتقد أن المرحلة القادمة من العالم الرقمي لن تكون مرحلة منصات جديدة بقدر ما ستكون مرحلة المجتمعات الرقمية؛ مجتمعات تجمع الناس حول الاهتمامات والأهداف المشتركة، وتنقل الفرد من مجرد متابع للمحتوى إلى عضو مشارك في صناعته وفي القيمة الناتجة عنه.
لقد نجحت منصات التواصل الاجتماعي في تقريب المسافات وإيصال المعلومة إلى ملايين الأشخاص خلال ثوانٍ، لكنها في كثير من الأحيان صنعت نموذجًا يقوم على «المتابعة»: شخص أو جهة تنشر، وجمهور يشاهد ويعجب ويعلّق، ثم ينتقل إلى المنشور التالي.
أما المجتمع الرقمي، فأراه مختلفًا.
من المتابع إلى العضو
في المجتمع الرقمي لا تتمحور العلاقة حول صانع المحتوى فقط، بل حول الأعضاء أنفسهم.
يدخل الفرد لأنه يريد الوصول إلى أشخاص يشاركونه اهتمامًا أو هدفًا أو تحديًا معينًا. يتحدث معهم، يتعلم منهم، ينقل إليهم خبرته، ويتعاون معهم.
وهنا يتحول السؤال من:
كم عدد المتابعين؟ إلى: ما حجم التفاعل والقيمة التي يصنعها الأعضاء معًا؟
فالعدد وحده لا يصنع مجتمعًا.
قد يمتلك حساب ما مليون متابع، لكن التفاعل الحقيقي بينهم محدود، بينما يمكن لمجتمع متخصص أصغر بكثير أن ينتج معرفة وعلاقات وشراكات وفرصًا اقتصادية ذات قيمة كبيرة.
لذلك أعتقد أننا نتجه تدريجيًا من اقتصاد المتابعة إلى اقتصاد المشاركة.
العضو لم يعد مستهلكًا فقط
الأمر الأكثر إثارة اقتصاديًا في المجتمعات الرقمية هو أن العضو يستطيع أن ينتقل من مستهلك للقيمة إلى منتج لها.
فالمعلم يستطيع مشاركة معرفته، والمستشار تقديم خبرته، والمصمم عرض خدماته، ورائد الأعمال العثور على شريك، والخبير تقديم استشارة، والشركة رعاية نشاط، وأحد الأعضاء تنظيم فعالية أو ورشة عمل.
أي أن القيمة لا تتحرك في اتجاه واحد من المنصة إلى المستخدم، وإنما تتحرك بين أعضاء المجتمع أنفسهم.
ومن هنا يمكن أن تنشأ منظومة اقتصادية كاملة تشمل الاشتراكات، والتدريب، والاستشارات، وأسواق الخبراء، والفعاليات، والرعاية، والمحتوى المتخصص، والخدمات والمنتجات الرقمية، والشراكات المؤسسية.
وبذلك لا يعود المجتمع الرقمي مجرد مكان للنقاش، وإنما يتحول إلى بيئة تنتج المعرفة والفرص والقيمةالاقتصادية.
والسعودية؟
أعتقد أن المملكة تمتلك فرصة كبيرة في هذا التحول.
فنحن لا نتحدث عن مجتمع لا يزال في بداية علاقته بالتقنية. وفق تقرير «إنترنت السعودية 2025» الصادر عن هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية، وصلت نسبة انتشار استخدام الإنترنت في المملكة إلى 99.6%، كما أن 61.3% من مستخدمي الإنترنت يقضون سبع ساعات فأكثر يوميًا على الشبكة.
وفي الوقت نفسه، أظهرت بيانات الهيئة العامة للإحصاء أن الاقتصاد الرقمي مثّل 16% من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة في عام 2024.
هذه الأرقام تجعلني أطرح سؤالًا أراه أهم من مجرد نسبة استخدام الإنترنت: بعد أن أصبحنا متصلين إلى هذه الدرجة… ماذا سنفعل بهذا الاتصال؟
المرحلة القادمة، في رأيي، ليست زيادة عدد الساعات التي نقضيها أمام الشاشة، بل زيادة القيمة التي نحصل عليها من وجودنا الرقمي.
وهنا تحديدًا تظهر أهمية المجتمعات الرقمية.
من السعودية إلى العالم العربي
ميزة أخرى أراها في المملكة هي قدرتها على أن تكون نقطة انطلاق لمجتمعات رقمية تتجاوز حدودها الجغرافية.
فالسعودية تقع في قلب العالم العربي، وتعيش تحولًا رقميًا واقتصاديًا واسعًا ضمن رؤية السعودية 2030، كما أن انتشار المحتوى بـ ـ العربية البيضاء ـ — العربية البسيطة المفهومة لدى مختلف الشعوب العربية — يفتح المجال أمام بناء مجتمعات تبدأ محليًا ثم تتوسع عربيًا.
فالمجتمع الرقمي الذي يبدأ من جدة أو الرياض يمكن أن يجمع عضوًا من السعودية مع آخر من مصر وثالث من الأردن ورابع من المغرب، لأن ما يجمعهم في النهاية ليس المكان، بل الاهتمام والهدف والقيمة المشتركة.
وهذه، في رأيي، فرصة اقتصادية ومعرفية تستحق أن ننظر إليها مبكرًا.
والذكاء الاصطناعي سيغير المعادلة ثم يأتي الذكاء الاصطناعي ليمنح المجتمعات الرقمية قدرة لم تكن متاحة سابقًا.
تخيل مجتمعًا يضم مئات الآلاف من الأعضاء. كيف يجد الشخص من بينهم من يشاركه الاهتمام نفسه؟ وكيف يصل إلى الخبير المناسب أو المحتوى الذي يحتاج إليه؟
هنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في فهم اهتمامات الأعضاء، وتخصيص المحتوى، وربط أصحاب الخبرات بمن يحتاجون إليهم، واقتراح المجتمعات والمجموعات المناسبة، وتحليل الاحتياجات والتفاعلات.
وبذلك يمكن أن يتحول الذكاء الاصطناعي من مجرد أداة نطلب منها إنتاج نص أو صورة إلى وسيط ذكي يربط الإنسان بالإنسان المناسب له.
وهذا التحول يتقاطع مع الاهتمام المتزايد بالذكاء الاصطناعي في المملكة ومسارها نحو اقتصاد أكثر اعتمادًا على المعرفة والابتكار والتقنية.
مستقبل أكثر تخصصًا
أتوقع أن الإنسان في المستقبل لن ينتمي إلى مجتمع رقمي واحد، بل إلى عدة مجتمعات متخصصة.
مجتمع لمهنته، وآخر لهوايته، وثالث لريادة الأعمال، ورابع للتعليم، وخامس للصحة أو الرياضة أو الأسرة.
لن يدخل الإنسان هذه المجتمعات لأنه يريد المزيد من المحتوى؛ فالمحتوى حولنا أكثر مما نستطيع استهلاكه أصلًا.
سيدخلها لأنه يريد الشخص المناسب، والخبرة المناسبة، والفرصة المناسبة. وهذا فرق جوهري.
لكن الثقة هي رأس المال الحقيقي
رغم كل هذه الفرص، لا أعتقد أن التقنية وحدها تستطيع صناعة مجتمع ناجح.
فالمجتمع الذي يفقد الثقة يفقد قيمته مهما بلغ عدد أعضائه.
لذلك ستكون الحوكمة، وحماية الخصوصية والبيانات، وجودة المحتوى، والتحقق من الخبرات، وأخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي، وإدارة العلاقات بين الأعضاء، من أهم عناصر نجاح المجتمعات الرقمية.
وقد تصبح الثقة نفسها رأس مال المجتمعات الرقمية.
فالناس لن يبحثوا عن مساحة رقمية أخرى تستهلك وقتهم، بل عن مجتمع يمنحهم شيئًا حقيقيًا مقابل هذا الوقت: معرفة، علاقة، فرصة، حلًا لمشكلة، أو شعورًا بالانتماء إلى مجموعة تشاركهم الهدف نفسه.
من الاتصال إلى القيمة
لقد نجحت منصات التواصل في تحقيق إنجاز هائل: جعلتنا جميعًا تقريبًا متصلين.
لكن ربما حان الوقت لأن نسأل: هل يكفي أن نكون متصلين؟
أعتقد أن المرحلة القادمة ستنتقل بنا من مجرد الاتصال إلى القيمة، ومن المتابعة إلى المشاركة، ومن الجمهور إلى المجتمع.
وقد يأتي يوم لا تكون فيه قوة حضور الإنسان الرقمي مرتبطة بعدد متابعيه فقط، وإنما بالمجتمعات التي ينتمي إليها، والعلاقات التي بناها، والمعرفة التي شاركها، والقيمة التي أضافها للآخرين.
وحينها قد يتغير السؤال من: كم عدد متابعيك؟ إلى:
إلى أي مجتمع تنتمي… وما القيمة التي تضيفها إليه؟
لأن الغاية من التقنية في النهاية لا ينبغي أن تكون أن تجعلنا أكثر ارتباطًا بالشاشات، بل أن تساعدنا على ربط الناس ببعضهم، ورفع الوعي، وتحسين جودة الحياة.




