مقالات

قال للقاضي: أفتني… في امرأةٍ تزوَّجتها وأنا ولدُتها

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي 

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي 

ازدحم مجلس القاضي بالناس، وكلٌّ يحمل قضيةً يرجو فيها عدلًا، حتى تقدّم رجلٌ تبدو على وجهه ملامح الوقار والثقة، ثم قال بصوتٍ ثابت:

«”أفتني يا قاضي تها… في امرأةٍ تزوَّجتها وأنا ولدُتها.”»

ساد الصمت، وتبادلت العيون نظرات الدهشة. كيف يكون رجلٌ ولدَ امرأةً تزوَّجها؟ وكيف يلدها وهو رجل هل جن أهو لغزٌ؟ أم تلاعبٌ بالألفاظ؟ أم أن وراء العبارة سرًّا لا يدركه إلا من أحسن فهم العربية؟

أما الرجل، فكان واقفًا مطمئنًا، يبتسم ابتسامة الواثق، وكأنه يدرك أن عبارته ستشغل العقول قبل أن يُعرض أمره على القاضي.

وقد جاء يشكو والده، الذي هجره وأمه وهو صغير، ثم أخذ يطعن في أمه أمام الناس، ويعيّرها بأنها لم تُحسن تربيته، بل كان يستهزئ بتأتأتها، وكأن البلاغة تُقاس بسلامة اللسان لا برجاحة العقل.

ومع ذلك، أبى الابن أن يذكر اسم أمه صراحةً في مجلسٍ يضج بالناس، صونًا لكرامتها، واختار أن يجعل من بلاغته شاهدًا على ما ربّته عليه أمه.

ظل القاضي يقلب العبارة في ذهنه، ثم رفع رأسه مبتسمًا وقال: «”ما السائل بأبلغ من المسؤول، وما سألت عن شيءٍ إلا وعندك جوابه.”»

ثم قال: «”إن كنتَ ولدَ تها، فأنا قاضيه، والمرأة التي تزوَّجتها هي أمك، وقد تزوَّجها أبوك، واسمه (تها).”»

عندها انفرجت أسارير الرجل، وابتسم الحاضرون بعدما انكشف اللغز.

فكلمة “تها” لم تكن جزءًا من كلمة “تزوَّجها”، وإنما كانت اسم والده، وكان المعنى الحقيقي لعبارته:

إن أبي، واسمه (تها)، تزوَّج أمي، وأنا ولدُها.

فانقلبت العبارة التي بدت مستحيلة إلى جملةٍ صحيحة، صيغت بدهاءٍ لغوي أذهل القاضي والحاضرين.

ولم يكتفِ القاضي بذلك، بل التفت إلى الرجل الحاضر في المجلس وقال: «”يا تها… هل علمت ما قصد ابنك؟”»

فأطرق الرجل برأسه وقال: «”ما أنا بأبلغ منه.”»

فابتسم القاضي وقال كلمته التي بقيت تُروى: «”بل ابنك أبلغُ منا جميعًا.”»

كانت تلك الكلمات أشد وقعًا على الأب من أي عتاب. فقد تذكّر المرأة التي كان يعيّرها يومًا بتأتأتها، ويتهمها بأنها لم تُحسن تربية ولدها، فإذا بذلك الولد يقف أمام مجلس القضاء فيحيّر العقول، ويكشف اللغز بفصاحةٍ ودهاء، حتى شهد له القاضي بالبلاغة.

وهنا أدرك الأب أن تأتأة اللسان لا تعني أبدًا تأتأة العقل، وأن أمًّا قد يتعثّر نطقها، لكنها قد تُربي عقلًا يتحدث ببلاغةٍ تعجز عنها ألسنةٌ كثيرة.

وهكذا ترك لنا العرب درسًا خالدًا؛ فليس كل ما يُسمع يُفهم من ظاهره، وليست الفصاحة بكثرة الكلام، بل بحسن البيان، وعمق الفكرة، وسلامة المقصد. ددسن

ولعل أجمل ما في هذه القصة أن الابن لم يقف بين يدي القاضي لينتقم من أبيه، ولم يذكر اسم أمه ليحرجها، وإنما جاء ليُثبت حقيقةً ستبقى خالدة:

أن البلاغة ميراثُ عقلٍ راجح، لا لسانٍ سليم، وأن الأم العظيمة لا تُقاس بطلاقة حديثها، بل بما تغرسه في أبنائها من أدبٍ، وذكاءٍ، وحكمةٍ تبقى أثرًا بعد رحيلها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬