مقالات

التدريب العشوائي… وهم التقدم المهني

بقلم الكاتبة : حنان القرني

بقلم الكاتبة : حنان القرني

هوس الشهادات لا يصنع قدرات مهنية ولا تتحرك المسيرة المهنية فعليًا بتكديس الدورات دون وعي، وكلما تأملتُ واقع التطوير المهني خلال السنوات الماضية ظل سؤال واحد يتكرر أمامي: هل تصنع الشهادات الكفاءة، أم تصنع الكفاءة قيمة الشهادات؟

نعرف جميعًا أن الفرد قد يمتلك دافعًا عاليًا للتعلم لكنه يقع أحيانًا في فخ “التدريب العشوائي”، حيث يتنقل بين مجالات متباعدة دون رابط حقيقي، فيظن أنه يتقدم بينما هو في الحقيقة يدور في دائرة مغلقة ولهذا نرى أشخاصًا يملكون عشرات الشهادات، لكن حضورهم المهني باهت وآخرين بشهادات أقل لكن أثرهم واضح …الفرق لا يكمن في عدد الدورات، بل في طريقة توظيفها.

ورغم الفكرة الشائعة التي تربط التطوير بعدد الشهادات إلا أن النمو المهني لا يتحقق بالاستهلاك المعرفي فقط فالتدريب الحقيقي هو الذي يرتبط بسياق عملي، ويُبنى على هدف واضح ويتحول إلى ممارسة يومية، أما حين يغيب هذا الربط تتحول الدورات إلى نشاط مريح نفسيًا، يمنح شعورًا مؤقتًا بالإنجاز دون أثر حقيقي في الأداء.

وهنا يتضح أن المشكلة ليست في التدريب ذاته بل في غياب “البوصلة المهنية” فحين لا يعرف الفرد ماذا يريد يصبح أي برنامج مناسبًا، وأي شهادة مغرية وتتحول السيرة الذاتية إلى قائمة غير مترابطة لا تعكس هوية واضحة ، وفي المقابل الشخص الذي يمتلك رؤية يتعامل مع كل دورة كأداة تخدم مساره لا كغاية بحد ذاتها.

وتُظهر لنا ممارسات سوق العمل أن القيمة الحقيقية لا تُبنى على ما تعرفه فقط بل على ما تستطيع تطبيقه ولهذا نجد أن الجهات المهنية أصبحت تميل إلى تقييم المهارات القابلة للقياس، مثل القدرة على حل المشكلات واتخاذ القرار والعمل ضمن فريق، أكثر من اهتمامها بعدد الشهادات المجردة.

عندما يُبنى التعلم على هذا الفهم يتحول التدريب من استهلاك إلى استثمار ومن حضور إلى ممارسة، وتبدأ المعرفة بالترسخ عبر التجربة فينضج الأداء وتتضح الهوية المهنية ويصبح لكل خطوة تعليمية معنى.

أما حين يستمر “هوس الشهادات” دون وعي، فإنه لا يبطئ التقدم فقط بل يخلق وهمًا خطيرًا بالإنجاز ويؤجل المواجهة الحقيقية مع متطلبات السوق فتتراكم المعارف دون أثر وتضيع الجهود في مسارات متفرقة.

فما الذي يصنع مستقبلك المهني إذًا؟ عدد الشهادات أم جودة الاختيار؟

الحقيقة أن التعلم لا يُقاس بكم ما تجمعه بل بمدى ما تبنيه… فليست القيمة في عدد الدورات التي حضرتها بل في الأثر الذي تركته

في عملك وعند اللحظة التي تتحول فيها المعرفة إلى ممارسة، يبدأ الفرق الحقيقي بين “متدرب حقيقي”… و”جامع شهادات”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬