موقع الأخدود الأثري بنجران نافذة تُضيء مسارات المعرفة وتكشف عبق التاريخ

متابعة: ابتسام حكمى
يُمثّل موقع الأخدود الأثري في نجران واحدًا من أبرز مواقع التراث في جنوب الجزيرة العربية، وشاهدًا على أهميتها وموقعها كمحور تجاري قديم على طريق البخور، حيث يعود تاريخها إلى منتصف القرن الأول قبل الميلاد.

وتكشف الطّبقات الأثرية بموقع الأخدود عن وجود مدينة مركزية محاطة بسور يمتد بطول (235)م، وعرض (220)م، مع وجود نتوءات وتجاويف متعددة، حيث تم بناء قواعد المباني من كتل حجرية منحوتة بارتفاعات تتراوح بين (2 و4) أمتار، في حين كانت الأجزاء العليا غالبًا مصنوعة من اللبن أو الطوب، ويظهر الحصن كعنصر رئيس يعود تاريخه إلى الفترة من منتصف القرن الأول قبل الميلاد حتى منتصف الألفية الأولى الميلادية، وهي فترة الاستيطان الأساسية.

وبدأت أعمال المسح والتنقيب في الموقع عام 1399هـ/ 1979م، وأسفرت عن اكتشاف وحدات معمارية متنوعة، إضافة إلى أقدم مسجد في نجران الواقع في الجهة الشمالية الشرقية، كما تمَّ العثور على “كنز نجران”، وهو عبارة عن جرة تحتوي على عملات فضية، يعود بعضها إلى النصف الثاني من القرن الأول الميلادي، فيما تضمَّن التراث المادي أوان فخارية، وقطعًا منحوتة من الحجر الصابوني والرملي مثل: المباخر والأحواض، بالإضافة إلى أجزاء من تماثيل حيوانات معدنية وألواح مكتوبة بالحروف المسندية الجنوبية تحتوي على نصوص دينية وتشريعات، وكذلك خواتم ذهبية مزينة بفصوص على شكل فراشة.

وتظهر النقوش التاريخية أن نجران ذكرت بالحروف “ن ج ر ن” منذ حوالي 680 ق.م، واستمر ظهور اسمها في النصوص خلال القرون التالية، كما ذكرها الرحالة والمؤرخون الكلاسيكيون، حيث تؤكد الاكتشافات الحديثة أن الاستيطان فيها يعود إلى عصور ما قبل التاريخ وبدايات الألفية الأولى قبل الميلاد؛ مما يعزز مكانتها كمركز حضاري وتجاري منذ القدم.

وأنشئت هيئة التراث في الموقع مركز زُوَّار الأخدود على مساحة داخلية نحو (300)م²، مع ساحات خارجية إجمالية تقارب (3.400)م²، ليكون نافذة تعريفية شاملة بتاريخ نجران والأخدود منذ ما قبل التاريخ حتى العصر الحديث، ويضم المركز معارض تفاعلية، ونماذج ثلاثية الأبعاد، وقاعات للأطفال، وبرامج تعليمية وجولات ميدانية تعرض نتائج التنقيبات والآثار المكتشفة.
وشهد المركز إقبالًا ملحوظًا، حيث استقبل أكثر 17 ألف زائر في عام 2025 الماضي، بينهم زوَّارًا دوليين أعربوا عن إعجابهم بالموقع والتسهيلات المقدمة، الذي يقدم نموذجًا متكاملًا لإبراز التراث والتثقيف والسياحة المسؤولة، وفرصة لتعزيز البحث العلمي، وتنمية المجتمع المحلي ثقافيًا واقتصاديًا.




