بين المقصود والمفهوم….أين تختبئ الحقيقة؟

بقلم الكاتبة: رجاء الطويل
ماقال ربك ويلٌ للذين سكروا
ولكن قال : – ويلٌ للمصلين–
هذا البيت يبدو للوهلة ألاولى مجرد جرأة شعرية، لكن ما يكشفه أعمق من الشعر نفسه .فالمعني لا يسكن في الكلمات بل في المسافة بين فم القائل وأذن المستمع.
عندما يسمع الإنسان عبارة ما، لا يستقبلها كما هي تماماً بل يمررها عبر عدة مستويات في داخله. وتكون صدى تجاربه السابقة،قناعاته،حالته النفسية وقتها،وما يريد أن يصدقه أصلاً.وهو مايسمى ( أفق التوقعات) (Horizon of Expectations). وهو مصطلح صاغه الفيلسوف هانس ياوس.
فمن عاش خوفاً عميقاً قد يسمع النصيحة تهديد، ومن امتلئ قلبه بالشك قد يرى الصمت إدانة،ومن اعتاد الجدل قد يحول فكرة بسيطة إلى معركة.
لذا قد تولد من نفس العبارة معانٍ مختلفة،وذلك لأن العقول تؤول الكلمات حسب توقعاتها الثقافية،والدينية ،والإجتماعية.
لذلك في كثير من الأحيان لا يكون الخلاف بين البشر بسبب الكلمات بحد ذاتها، بل بسبب الطريقة التي فُهمت بها.
فالعقل لا يقرأ بحياد تام،بل يميل إلى التفسير بما ينسجم مع عالمه الداخلي.
لهذا قد يكون الكلام بريء ،لكن التفسير هو المشكلة
والمشكلة الأكبر أن يظن الإنسان أن فهمه هو الحقيقة لاغير،بل ويضيق صدرة بأي تفسير آخر، لأن عقله هنا لا يفسر الجملة كما هي، بل كيف يجعلها تنسجم مع مايؤمن به،وبما يوافق معتقداته ورغباته،فإن وافقتها أعدها حكمة،وإن خالفتها تجاهلها ،أو أعاد تشكيلها بما يناسبه.
إذاً البشر لا يتشابهون في فهمهم للأشياء،فما هو واضح لأحدهم ، غامضاً لآخر،والحقيقة عند البعض مجرد احتمال لدى غيرهم.هذه طبيعة البشر ولا عيب في ذلك.العيب يكمن في العقول التي تقف على نصف المعني ،والنفوس التي تقرأ الكلام، بقلقها، وغضبها وذكرياتها، وتجاربها.معانٍ لاحصر لها قد تنتج عن جملة بسيطة لم تُسمع لنهايتها أو بُترت لسببٍ أو لغاية. وظاهرة البتر السياقي منتشره بشده في وسائل التواصل الإجتماعي فالسرعة جعلت عقولنا تكتفي بأنصاف الجمل .العناوين فقط. مما شوه الحقائق وبني عليها مواقف عدائية كامله وهو ماتسميه أدبيات النقد قتل النص عبر تجريده عن سياقه.
لذا أول خطوة نحو الفهم الحقيقي هي أن نتعلم كيف نصغي بعقل أوسع،ونفس أصفي،وأن لا نتسرع ونقف علي أنصاف الجمل.
أن نتساءل هل نقرأ لنفهم حقاً أم لنجد مايؤكد ما نؤمن به مسبقاً،هل نترك مساحة في عقلنا لتصبح جسوراً ممتدة علي أكثر من معنى أم نبني حولها جداراً يفصل بين الحقيقة وما نريده أن يكون حقيقة.
نحن من نمنح الكلمات معنى،وتختلف المعاني باختلاف العقول التي تمر عليها.
وبناء ًعلي هذا التحليل هل نعتبر اللغة قاصرة عن نقل المعني أم أن العيب في المتلقي؟
–ويلٌ للمصلين– هل ستكمل أم يكفيك النصف.؟




