عن القرطاس والقلم

بقلم :د.لينة بنت حسن عزوز
قال رجل كاتب من الأحرار ينعت حاله إذ تكالبت عليه المهامّ فحيل بينه وبين الكتابة :
كل انقطاعٍ يُتبع بأثر رجعيّ لامحالة ! ..
إن الكتابة والقلم والقرطاس ترسانة العمر ..وإن قلمي بعد العودة مُسوّم بالبسالة_ بإذن الله_ ..إذ يخامره الشغف والتنوع ، وإني ياكرام آوي إليه حين يولج الله الليل في النهار ويولج النهار في الليل ..
إنه مطية الفِكر ، ومضخة الوعي المستمر للأحداث ..
هل تعلمون أني أستخدمه دلواً للفأل ليروي الأماني اليباب؟! .. وأراه كالعام البهيج الذي فيه يغاث الناس وفيه يعصرون ؟!..
أتجشم العناء من أجله رغبةً في نوالٍ منيف مدهش، ويتجافى جنبيّ عن مضجعي في بعض الليالي لأهذب الفكرة فيزداد شعاعها إذ يفترّ ثغر النهار ..
أتخيل دوماً لو حيل بيني وبين ما أشتهي من التدوين والتنسيق البيانيّ..
وتالله إني لا أدّعي انسكاب الحِبر وتدفقه بالغدو والآصال، غير أني أحب اقتناص كل فرصة طيبة لأسقي العالَم بالفكرة الطرية وإن كانت بِكراً متواضعة كالسديم يتناثر في الملكوت، وأحتسب على الله أن يغرسها في حدائق الآخرة، وأن يتقبلها عنده بقبول حسن، و يربيها عنده سبحانه كما يربي المرء منا فَلُوّه ” ..
وأتعجب لماذا كلما ساورني شعورٌ حلّقتُ و لمستُ سماء الكتابة؟؟ أتعلمون لماذا؟ لأني وجدتها مُلئت شعورا وإحساساً ونبضاً وحبراً وسطراً ..
وأرجو الله أن لا يُحال بيني وبينها مادمتُ أكتب للحق والشغف والمباهج ..
أنا والقلم على طراز خاص !
أحب في كل عشية سلوك طريق بكر لم يُسبَر قط، أنجب كل يوم سطراً في محاولة للاستكثار والنمو، وأحمل فوق رأسي حرفا يأكل الناس منه..
هل أنبئكم بأن أحاسيسي كلها جاثية تدعو إلى العناية بها؟ .. وإني إذ أدعوها تأتيني سعيا، وماهي عني ببعيد ..!
حين قبضتُ قبضة من أثر السابقين حاولت امتهان الكتابة ولا أدري أأنا كالفرزدق الذي ينحِت من صخر ! أو كجرير الذي يغرِف من بحر! كل ذلك لا أكترثُ له فلست بطالبةٍ مدحا أو إطراء؛ لأن أمي علمتني كيف أرتدي خوذة نجاة لأكون في وقاية من التأثر بكل نقد لاذع، وأمضي كمُهند تلمع في قلبه الأشياء، ربما بضاعتي مزجاة، وأحرفي رديئة، ونمطي عتيق ، ونسختي غير محدّثة كل هذا لا يهم، المهم هو الهدف …
تداهمني ريح عاصف، ويتربص بي حنين خفيّ، ويقطن داخلي إحساس نديّ، أعيش اللحظات بماهيتها الخاصة وأضعها في قالب خاص أصف فيه شعوري نحوها ..
أمسح على حزن الناس، وأصف الخيل والليل والبيداء، وأسترق النظر إلى شعور بني آدم، أنظر نظرة للنجوم ، أمدّ بصري إلى قبة الكون ، إلى الخلود ، إلى الأبد .. هناك حيث سقف التوقعات لا نهاية له .. حيث فيه لا عين رأت ولا أذن سمعت ..
قد تظنون ظناً أني فارغة من كل شغل، لذلك أُوظّف القلم في كل وادٍ أهيم فيه، بيد أن هذه الحقيقة فيها جَنف بحقي، حيث إن الشعور والإحساس شيء خفيّ يتغلغل في خلجات المرء لا يدري مالونه أو طعمه أو ريحه!! وكيف نشأ ومالذي أتى به !!..
أعود وأقول خذوا ما صفا ودعوا ما كدر ..
وماهي إلا إملاءات أُنجِبها من رَحم اللغة، أعيش مخاضها بعاطفتي، وأُضمّن فيها إرشادات، وأذكّر بها نفسي وأخوتي والناس أجميعن ، وإن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ..!
حين تزهر نجوم الظلام؛ أجنح إلى القرطاس والقلم، وأطوّق عنقي بعقد ورديّ نسجتُه بالشغف والإلهام ..
يتكاثر الناس بالمال والبنين وأتكاثر أنا بالحروف والصحائف..
أحلق في عالم الفكر والرسالة، ومشروع الهداية والوئام ..
أُحبذ الشعور المستقيم، وإصلاح الطبائع والأذواق، وأبتكر مزايا نادرة لخلق بيئة ملؤها الحب والإيمان ..
أرتجل الكلمة الحرة، وأتتبع مناهل المعرفة، وأُطعّم المواقف بهدايات الكتاب والسنة..
أهيم في مؤلفات فرسان الكتابة وأقدّم زكاة القراءة نِحْلةً، وأنفق ضريبة التأليف على نحوٍ مأهول بالشعور ..
أدعو الله أن يوصلنا إلى منازل النور ووطن الخلود.
_ كم من فكرةٍ لبثتْ طويلاً في طوابير الانتظار، تتربص سويعات الحرية وفسح النطاق لها لتخرج صدّاعة دفّاقة، فإذا فرغ الكاتب من مهامه التي أنقضتْ ظهره، ولج إلى صومعة الكتابة واختلطت لغته بنفسه وعقله ووجدانه، فأسفر ذلك عن سطور تشعّ وتنفع_ بإذن ربها_ ..
_ إن الكتابة يا سادة أداة من أدوات الفتح والجودة والتمكين، فإذا كانت خالصة لله وحده آتت أُكُلها، وإنني لأعارض بشدة من يعتبرها هواية أو متنفساً لا أكثر ..!!
_ إن المحسنين من الكتبة_ على وجه الأخص_ طفقوا يخصفون على الأحداث من حولهم من ورق الإحساس، لا يكفّون عن تحريك الأفكار والشعور، واستمطار الدموع والذكريات، يبصرون عن جُنب مواطن الشعور والعاطفة، يكتبون بأناملهم الندية حتى إبهار الليل وإدبار النجوم، يتهادى الواحد منهم نحو جهات النعيم الفسيحة كلها، بل وما أدراكم لربما هم يصنعون سياقاً سعيداً للعالم !
يسافرون إلى الطهر والمجد والنور..
ويرددون – ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا-



