مقالات

مفهوم القدر في الطوارئ

بقلم الكاتبة: د. سوسن توفيق حنفي

بقلم الكاتبة: د. سوسن توفيق حنفي

داخل الطوارئ مقاييس الزمان مختلفة عن خارجه.
الدقيقة هنا قد تكون حياةً كاملة… أو خاتمة عمر.

كان ذلك في أحد أيام رمضان.
الساعة تقترب من الأذان، والوجوه في القسم تحمل ذلك التعب الصائم الذي يعرفه كل من عاش نوبةً طبية في آخر النهار.
هدوءٌ نسبي يسبق الإفطار، وكأن المكان يستعد لالتقاط أنفاسه.

دخل رجلٌ في منتصف العمر.

لم يكن دخوله درامياً كما يحدث في الأفلام، لم تأتِ به صفارات الإسعاف ولا ركض خلفه أحد.
جاء على قدميه، صائماً، متماسكاً، يشتكي ألماً لم يكن صاخباً بما يكفي ليخيف.

كان صوته هادئاً.
وعيناه فيهما لطف عجيب.

حالته مستقرة.
الأرقام على الأجهزة مطمئنة.
والأمر في ظاهره لا يحمل ما يوحي بأن القدر يخبئ في طياته ما لا نتوقع.

خمس دقائق فقط تفصلنا عن أذان المغرب والإفطار.

في الخارج، كانت المدينة تستعد للحظة الإفطار.
الأطباق تُرتَّب على الموائد، والتمر ينتظر في الصحون، وكؤوس الماء واللبن تستعد لأن تكون أول ما يلامس شفاه الصائمين.

أما هنا… في عالمنا داخل الطوارئ
فلم تكن المائدة إلا سريراً طبياً،
ولم يكن الانتظار انتظار أذان،
بل انتظار ما سيقوله الجسد بعد قليل.

بعد نصف ساعة فقط، تغيّر كل شيء.

ذلك الاستقرار النسبي الذي كان يكسو حالته بدأت يتصدع فجأة، كما يتصدع سطح جبل راسخ حين تضربه عاصفة قوية مباغتة.
الأرقام التي كانت مطمئنة أخذت تنحدر.
والجسد الذي جاء ماشياً بدأ يخذله.

في الطوارئ، نتعلم أن بعض المنحدرات ليست متدرجة …
بل تأتي كالسقوط من هاوية .

حاولنا.
كما نحاول دائماً.
بكل ما في الطب من معرفة، وبكل ما في الإنسان من رجاء.

لكن هناك لحظات…
يقف فيها الطب عند حدوده.
ويقف الإنسان عند قدره مستسلمًا للقدرة الإلهية الأقوى.

في أقل من ساعة من دخوله المستشفى،
أسلم الرجل روحه.

كان صائماً.

رحل قبل أن يفطر.

في تلك اللحظات الثقيلة، يبقى الجزء الأصعب من عمل الطبيب ليس مواجهة الموت…
بل مواجهة الأحياء.

خرجتُ لأخبر أخاه.

كان أكبر منه سناً.
وفي وجهه ملامح رجلٍ أنهكه المرض، لكن قلبه ما زال متعلقاً بأخيه الأصغر.

قلت له الخبر كما يُقال دائماً…
بذلك الهدوء الذي نحاول أن نجمعه من بقايا أنفسنا.

قدّمتُ له التعازي.

نظر إليّ لحظة، ثم قال بكلمات خرجت من قلبٍ مكسور:

“يا دكتورة… لم أتوقع أن يأتي هذا اليوم الذي أُعزّى فيه في أخي.
كنت أظن أني الأسبق… فأنا الأكبر، وبي مرضٌ مستعصٍ.”

كان في كلامه وجعٌ لا تصفه الكلمات.
وجع ترتيبٍ اختلّ في حسابات الحياة.

فالأخ الأكبر يُفترض أن يُودَّع أولاً.
هكذا تعوّدنا أن نفهم الزمن.

لكن الحياة… لا تلتزم دائماً بترتيباتنا.

نظرت إليه وقلت ما قاله الإمام الشافعي قبل قرون، وكأنه كتب بيته هذا ليُقال في مثل هذه اللحظات:

فكم من صحيحٍ مات من غير عِلّةٍ
وكم من سقيمٍ عاش حيناً من الدهرِ

هزّ رأسه بصمت.

وفي تلك اللحظة شعرتُ أن هذا البيت من الشعر ليس حكمةً أدبية فحسب…
بل حقيقة نراها كل يوم في الطوارئ.

ذلك المساء جعلني أتأمل شيئاً ننساه كثيراً ونحن نعيش.

نحن نظن أن المرض هو العدو الوحيد للحياة.
لكن الحقيقة أن المرض ليس دائماً هو من يختار النهاية.

كم من جسدٍ سليم نام ولم يستيقظ.
وكم من جسدٍ مثقلٍ بالعلل عاش سنواتٍ طويلة بعد أن ظن الجميع أن أيامه معدودة.

نحن نحسب أعمارنا بمعايير الجسد،
لكن الأقدار لا تقرأ تقارير الأشعة…
ولا تلتزم بنتائج المختبر.

خرجتُ بعد انتهاء المناوبة.

كانت الشوارع مليئة بالحياة.

محلاتٌ مضاءة.
أطفال يضحكون.
وروائح طعامٍ تفوح في الشوارع وحولها المنشدون يتغنون بأهازيج رمضان .

كان العالم خارج المستشفى يعيش لحظة دفءٍ رمضانية جميلة.

أما في الداخل…
فكانت هناك روحٌ صعدت قبل قليل.

وفي كل مرة أخرج فيها من هذا العالم الصاخب بالمشاعر المتناقضة،
أزداد يقيناً بحقيقةٍ واحدة:

نحن لا نملك من أعمارنا إلا اللحظة التي نعيشها الآن.

كل ما بعدها…
هو غيب.

ربما لهذا كان الإمام الشافعي صادقاً حين قال:

فكم من صحيحٍ مات من غير علةٍ
وكم من سقيمٍ عاش حيناً من الدهرِ

ولعل أجمل ما يمكن أن يتعلمه الإنسان من هذه الحقيقة البسيطة القاسية هو أن يعيش أيامه بقلبٍ أخفّ تعلقاً بالدنيا… وأكثر يقيناً بالله.

فالحياة كما نراها كل يوم في الطوارئ
ليست وعداً بطول الطريق.

بل هي مجرد رحلةٍ لا نعرف أين تنتهي…
لكننا نعرف يقيناً أنها تنتهي

فهذه سُنّة الحياة والأيام

قبل أيامٍ فقط كنّا نهنئ بعضنا بقدوم رمضان،
ونتبادل الدعوات بأن يبلغنا الله صيامه وقيامه،
وها نحن اليوم على مشارف وداعه،
وكأن الأيام كانت تمشي مسرعةً بينما نظن أننا ما زلنا في بدايتها.

رمضان يعلّمنا كل عام درساً هادئاً ، يمرّ أمام أعيننا بوضوح:
أن ما بين الأذانين حياة،
وأن ما بين الهلالين عمر.

فمن دخل علينا في أول الشهر قد لا يكون بيننا في آخره، ومن جلس معنا على موائد الإفطار ربما كُتبت له مائدةٌ أخرى في عالمٍ لا نراه.

لهذا لا نملك في نهاية المطاف إلا دعاءً صادقاً
أن يجعل الله ما بقي من أعمارنا خيراً مما مضى،
وأن يكتب لنا حسن الخاتمة إذا جاء الموعد الذي لا يتأخر.

فالرحلة قصيرة…
لكن الكرم الإلهي واسع.

نسأل الله أن يتقبّل منا رمضان،
وأن يجعل آخر كلامنا من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله، وأن يحسن لنا الختام .. ختام رمضان وختام أمورنا وختام أعمارنا .. وأن بجعلنا في كل الخواتيم من الفائزين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬