مقالات

ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرًا

بقلم الكاتبة: فاطمة عواجي

بقلم الكاتبة: فاطمة عواجي

في رحلة الحياة، كثيرًا ما نقف أمام أحداثٍ لا نفهمها، ونجد أنفسنا نتساءل بقلق: لماذا يحدث هذا؟ ولماذا تأتي بعض الأقدار على غير ما نتمنى؟

لكن القرآن الكريم يفتح لنا نافذة من الحكمة من خلال قصة عظيمة وردت في القرآن الكريم بين نبي الله موسى والرجل الصالح الخضر، وهي قصة تعلم الإنسان درسًا عميقًا في الصبر على ما لا نفهم حكمته.

حين خرج موسى عليه السلام في رحلةٍ لطلب العلم، التقى بالخضر، فطلب أن يتعلم منه. لكن الخضر قال له منذ البداية جملة تحمل في طياتها سر التجربة كلها:

إنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا.

كان يعلم أن ما سيحدث أمام موسى لن يبدو مفهومًا في ظاهره.

وافق موسى، ووعد بالصبر. لكن الرحلة بدأت بموقفٍ صادم.

ركبا سفينةً مع قومٍ طيبين حملوهما بلا مقابل، وفجأة قام الخضر بثقب السفينة!

لم يتمالك موسى نفسه وقال متعجبًا:

“أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئًا إمرًا”.

هنا جاء التذكير الأول:

ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرًا. 

مضت الرحلة، ثم حدث أمرٌ أعجب من الأول، إذ قتل الخضر غلامًا.

اشتد اعتراض موسى وقال:

أقتلت نفسًا زكية بغير نفس لقد جئت شيئًا نكرًا. 

مرة أخرى يذكّره الخضر:

ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرًا. 

ثم وصلا إلى قرية رفض أهلها إكرامهما، ومع ذلك أقام الخضر جدارًا كان آيلًا للسقوط دون أن يطلب أجرًا.

تعجب موسى وقال:

لو شئت لاتخذت عليه أجرًا.

عندها انتهت الرحلة، وكشف الخضر سرّ الأفعال التي بدت غريبة.

فالسفينة خرقها لأنها كانت لمساكين يعملون في البحر، وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينةٍ صالحة غصبًا، فأراد أن يعيبها حتى لا تُؤخذ منهم.

أما الغلام فكان سيكبر ويكون سببًا في طغيان والديه الصالحين، فأراد الله أن يبدلهما خيرًا منه.

وأما الجدار فكان تحته كنز ليتيمين في المدينة، وكان أبوهما صالحًا، فأراد الله أن يحفظ الكنز لهما حتى يبلغا أشدهما.

هنا تتجلى الحكمة العظيمة:

الأحداث التي بدت في ظاهرها شرًا كانت في حقيقتها رحمة خفية.

وهذا الدرس يتكرر في حياتنا كل يوم.

كم من أمرٍ ضاق به صدرنا، ثم اكتشفنا بعد زمن أنه كان حماية لنا.

وكم من طريقٍ أُغلق أمامنا ففتح الله لنا طريقًا أفضل.

إن الإنسان يرى جزءًا صغيرًا من الصورة، أما تدبير الله فيرى المشهد كاملًا.

لهذا فإن الصبر ليس مجرد احتمال الألم، بل هو ثقة عميقة بأن خلف الأقدار حكمة قد لا ندركها في وقتها.

وحين يضيق القلب من حدثٍ لا نفهمه، يكفي أن نتذكر تلك العبارة التي بقيت درسًا خالدًا في كتاب الله:

ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرًا

فما خفي علينا اليوم، قد يكشف الله حكمته غدًا،

وما ظنناه نهاية قد يكون بداية رحمةٍ لم نتوقعها.

 

القرآن الكريم… كتاب الهداية الذي لا تنقضي عجائبه

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
💬