فضل العشر الأواخر من رمضان

حسن بن محمد منصور مخزم الدغريري
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وعلى آله وصحبه ، ثمَّ أمَّا بعد :
معاشر الإخوة القراء : لقد دخلنا في ليالي العشر الأخيرة من رمضان ؛ والتي هي خير ليالي السنة على الإطلاق ؛ لأنَّ فيها ليلة القدر ؛ فالمحروم من حرم خيرها ؛ والموفق فيها من حرص على العبادة فيها ؛ وفي سائر ليالي العشر ، وأيامه الفاضلة ؛ والتي امتازت عن غيرها ببعض الخصائص ، وهي على النحو الآتي :
1- أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يجتهد في العبادة في العشر الأواخر من رمضان ما لا يجتهد في غيرها من ليالي الشهر والعام ، فعن عائشة رضي الله عنها : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره – رواه مسلم ، وتقول أيضاً : – كان النبي صلى الله عليه وسلم يخلط العشرين بصلاةٍ ونومٍ ، فإذا كان العشر الأخيرة من رمضان شمَّر ، وشدَّ المئزر – رواه أحمد في مسنده .
2- أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخلت العشر اعتزل نساءه ، وأحيا ليله بطاعة الله من صلاةٍ وذكرٍ ، وقراءة قرآن ، وغير ذلك ؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت : – كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شدَّ مئزره ، وأحيا ليله ، وأيقظ أهله – متفقٌ عليه .
3– الإكثار من الدعاء في ليلة القدر ، ولا سيما بما ورد ، فعن عائشة رضي الله عنها قالت : – قلت : يا رسولَ الله : إن وافقت ليلة القدر ما أدعو به ؟ قال : قولي : اللهم إنَّك عفوٌ كريم تحب العفو ، فاعفُ عنِّي – رواه الترمذي ، وقال هذا حديثٌ حسن صحيح .
4- أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ، والاعتكاف هو لزوم المسجد لطاعة الله من صلاةٍ ، وقراءة قرآنٍ ، وذكرٍ ، فعن عائشة رضي الله عنها قالت : – أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ، ثم اعتكف أزواجه من بعده – متفق عليه ، ومن أحكام الاعتكاف ما يلي :
أ– أنَّه مسنون في كل وقتٍ ، ولكن أفضله في العشر الأواخر من رمضان .
ب– أنَّ الدخول فيه يكون بعد صلاة الفجر من اليوم الحادي والعشرين ؛ لحديث عائشة رضي الله عنها : – كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ، ثمَّ دخل معتكفه – متفقٌ عليه ، ويكون خروج المعتكف من معتكفه بعد غروب شمس آخر يومٍ من رمضان .
ج– يشترط في الاعتكاف : النية ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : – إنما الأعمال بالنيات – متفق عليه ، وأن يكون الاعتكاف في مسجد تقام فيه الجماعة ؛ والأفضل أن يكون في جامعٍ تقوم فيه الجمعة حتى لايضطر المعتكف للخروج من مسجده ؛ وأن يكون المعتكف على طهارةٍ من الحدث الأكبر خاصةً ؛ قال تعالى : – وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا – النساء : ٤٣ .
د– يبطل الاعتكاف : بالخروج من المسجد لغير حاجةٍ عمداً ؛لحديث عائشة رضي الله عنها : – وكان لا يدخل البيت إلا لحاجةٍ إذا كان معتكفاً – متفق عليه . ويبطل الاعتكاف بالجماع ؛ لقوله تعالى : – وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا – البقرة : 187 وفي حكم الجماع تعمد إنزال المني بمباشرة المرأة في غير الفرج أو باستمناءٍ .
هـ – يباح للمعتكف : الخروج من معتكفه في المسجد
لحاجةٍ كالخروج للأكل والشرب إذا لم يجد من يحضرهما له ، وكذا خروج المعتكف من المسجد لقضاء الحاجة من بولٍ ، وغائطٍ ، والوضوء منهما ، ومن غيرهما ، وللمعتكف الخروج من المسجد للاغتسال من الجنابة وغيرها ، تقول عائشة رضي الله رضي الله عنها : – إن كنت لأدخل البيت للحاجة ، والمريض فيه ، فما أسأل عنه إلا وأنا مارة ، وإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليُدخل عليَّ رأسه وهو في المسجد فأرجله ، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجةٍ إذا كان معتكفاً – رواه البخاري ومسلم ، ويباح للمعتكف التحدث إلى الناس فيما يفيد ، والسؤال عن أحوالهم ، والخروج لتوديعهم ؛ لحديث صفية رضي الله عنها : – كان النبي صلى الله عليه وسلم معتكفاً ، فأتيته أزوره ليلاً فحدثته ، ثم قمت لأنقلب ، فقام معي ليقلبني إلى بيتي – متفق عليه . ويباح للمعتكف أن يأكل ، ويشرب ، وينام في المسجد مع المحافظة على نظافته .
و- ينهى المعتكف عن البيع والشراء في المسجد ؛ كما جاء ذلك في سنن أبي داود ، والترمذي ، وقال هذا حديثٌ حسنٌ ، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود ، ولقوله صلى الله عليه وسلم : – إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا : لا أربح الله تجارتك – رواه الترمذي ، وصححه الألباني في إرواء الغليل برقم 1295 ومن الأمور المهمة في حقِّ المعتكف ألا يترتب على اعتكافه في المسجد ضياع بعض الحقوق ؛ كحقِّ الوالدين ، والزوجة ، والأولاد ، فإنَّ الاعتكاف سنة ، والقيام بهذه الحقوق واجبٌ ، والواجب مقدمٌ على السنة .
5– ومن خصائص العشر الأخيرة من رمضان وفضائلها : أنَّ فيها ليلة القدر ؛ قال الله تعالى : – شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَان – البقرة : 185 وقال تعالى : – حَمِ* وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ * لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ – الدخان : 1-8 وقال تعالى : – إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةِ ٱلۡقَدۡرِ * وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ * لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ خَيۡرٞ مِّنۡ أَلۡفِ شَهۡرٖ * تَنَزَّلُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذۡنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمۡرٖ * سَلَٰمٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطۡلَعِ ٱلۡفَجۡرِ – القدر : 1- 5 وفي الصحيحين قال صلى الله عليه وسلم : – من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه – وقال صلى الله عليه وسلم : – أتاكم شهر رمضان شهرٌ مبارك ، فرض الله عليكم صيامه ، تفتح فيه أبواب الجنة ، وتغلق فيه أبواب الجحيم ، وتغل فيه مردة الشياطين ، وفيه ليلةٌ هي خيرٌ من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم – رواه النسائي في سننه ، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم 55 .
وفي ليلة القدر مسائل :
أ– سميت ليلة القدر بذلك ؛ لعظم قدرها وفضلها عند الله تعالى ، ولأنَّها تقدر فيها ما يكون في العام من الآجال ، والأرزاق ، والمقادير خيرها وشرها .
ب– أنَّ العبادة فيها تزيد على عبادة ألف شهر خالية من ليلة القدر ، ويقدر الألف شهر ب ( 4 ، 83 ) سنة .
ج– يكثر في ليلة القدر تنزل الملائكة بما فيهم جبريل عليه السلام بكل أمرٍ يأمرهم الله به ، والملائكة لا ينزلون في ليلة القدر إلا ومعهم فيها الخير ، والبركة ، والرحمة ؛ كما ينزلون عند تلاوة القرآن ، وفي حلق الذكر ، ويضعون أجنحتهم لطلاب العلم تعظيماً لشأنهم .
د- أنَّ لليلة القدر علاماتٍ تعرف بها : منها أنَّها سالمةٌ من كل آفةٍ وشر ، وسالمةٌ لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها أذىً . ومن علاماتها كما في الحديث : – إنَّ أمارة ليلة القدر أنَّها صافيةٌ بلجة ؛ كأنَّ فيها قمراً ساطعاً ؛ ساكنة ساجية ؛ لا برد فيها ولا حر ، ولا يحل لكوكبٍ أن يُرمى به فيها حتى تصبح ، وإنَّ أمارتها أنَّ الشمس صبيحتها تخرج مستوية ليس لها شعاعٌ ؛ مثل القمر ليلة البدر ؛ لا يحل للشيطان أن يخرج معها يومئذٍ – رواه أحمد في مسنده ، وحسنه محققو المسند برقم 22765 . ومن علاماتها كما جاء في الحديث الآخر : – وقد رأيتني أسجد في ماء وطينٍ من صبيحتها ، فالتمسوها في العشر الأواخر ، والتمسوها في كل وترٍ – يقول الراوي أبو سعيد الخدري رضي الله عنه – فمطرت السماء تلك الليلة ، وكان المسجد على عريشٍ ، فوكف المسجد ، فبصرت عيناي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم على جبهته أثر الماء والطين من صبح إحدى وعشرين – متفق عليه .
هـ – في أي ليلة تكون ليلة القدر ؛ وهل تتنقل من عامٍ إلى عام من العشر ؛ وهل تكون في ليالي الأوتار أو الأشفاع ؟ قال صلى الله عليه وسلم : – تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان – متفق عليه ، وفي رواية للبخاري : – تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان – وله أيضاً – التمسوها في العشر الأواخر من رمضان ؛ ليلة القدر في تاسعةٍ تبقى ، في سابعة تبقى ، في خامسة تبقى – وليلة القدر تكون في ليالي الأوتار أكثر منها من ليالي الأشفاع ، وهذا مذهب الشافعية ، والحنابلة ، وقولٌ للمالكية ، واختاره ابن تيمية ، والصنعاني ، وابن باز ، وابن عثيمين ؛ وقال ابن الجارود في كتابه المنتقى على موطأ الإمام مالك (2/ 230) : ” قد اختلف الناس في هذه الليلة فذهب قومٌ إلى أنَّها تُنقل في الوتر في العشر الأواخر فتكون في عامٍ في ليلة إحدى وعشرين ، وفي عامٍ في ليلة ثلاث ؛ أوخمسٍ ؛ أو سبعٍ أو تسعٍ . وذهب قومٌ وهم الأكثر إلى أنَّها مختصة بليلةٍ لا تنتقل عنها ، والمعلوم من ذلك أنَّها في السبع الأواخر ” قلت لحديث : – التمسوها في العشر الأواخر ، فإن ضعف أحدكم أو عجز ، فلا يغلبنَّ على السبع البواقي – رواه مسلمٌ في صحيحه .
إخواني القراء : من حرص على قيام ليالي العشر جميعها مع الإمام حتى ينصرف ؛ فإنَّه سيدرك ثواب هذه الليلة لا محالة ؛ سواءً كانت في ليالي الأشفاع أو الأوتار ، وسواءً كانت هذه الليلة ثابتة في ليلة معينةٍ من كل عام أو كانت متنقلة ؛ وسواءً ظهرت فيها العلامات السابقة أو لم تظهر ؛ فإنَّ المسلم سيدرك قيامها وثوابها ؛ نسأل الله من فضله العظيم .
وأخيراً معاشر القراء : فلنحرص على الأعمال الصالحة في هذه العشر من قيام الليل ، وقراءة القرآن ، والتضرع إلى الله بالدعاء ، وغيرها من الأعمال الصالحة ؛ فلعلنا لا ندرك رمضان في الأعوام القادمة ؛ والمحروم فيها من حرم خيرها ، والعمل الصالح فيها ؛ فاللهم وفقنا لإدراك ليلة القدر ، والظفر فيها بعظيم الثواب والأجر ؛ واجعلنا ممن أعتقت رقابهم ، ورقاب والديهم ، وقراباتهم من النار ؛ برحمتك يا أرحم الراحمين ؛ وأدخلنا وإياهم جناتك جنات الخلود مع النبيين ، والصديقين ، والشهداء ، والصالحين ، وحسن أولئك رفيقا . اللهم آمين .



