مقالات

مسئولية الكلمة 

بقلم: د. مشاعل الغفيلى

بقلم: د. مشاعل الغفيلى

الرَّحْمَٰنُ ۝ عَلَّمَ الْقُرْآنَ ۝ خَلَقَ الْإِنسَانَ ۝ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾
———————————-
قد أكرم اللهُ الإنسانَ بنعمٍ كثيرة، وآلاءٍ عظيمة، وفضَّله على كثيرٍ ممن خلق تفضيلًا، ووهبه، على سبيل الامتنان، بيانًا يمتاز به عن غيره، ويبيِّن به مرادَه، ويحقِّق غايتَه: ﴿الرَّحْمَٰنُ ۝ عَلَّمَ الْقُرْآنَ ۝ خَلَقَ الْإِنسَانَ ۝ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾. وما كان لمثل هذا البيان أن ينبثق من فؤاد الإنسان لولا أن جعل الله له لسانًا يحرِّك به الحروف، وشفتين يُتقن بهما مخارجها: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ۝ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾.
اللسانُ هدايةٌ وبناء؛ فبه يُذكر الله، ويُتلى القرآن، وتُقام العبادة، وبه يُعلَّم الجاهل، ويُرشد الحائر، ويُجبر المكسور، ويُصلَح بين الناس، وتُؤلَّف القلوب، وتُقال كلمةُ الحق، ويُدافَع عن المظلوم، وتُغرس الحكمة، وتُبثّ الطمأنينة، وتُحفظ العلاقات بحسن الخطاب ولين القول.
وهو كذلك بابٌ واسعٌ للشر إذا انفلت من ضابطه؛ فبه يقع الكذب، والغيبة، والنميمة، والبهتان، وتحريف الحقائق، وقلب الحق باطلًا، والباطل حقًّا، وتفريق القلوب، وإشعال الخصومات، وإيذاء الناس بكلمةٍ قد لا يلقي لها صاحبها بالًا. فإن الكلمة إذا خرجت من لسان المرء لم تعد ملكًا له، بل تصبح كالكرة تتقاذفها مضارب اللاعبين، كلٌّ يفسِّرها بما يخدم غاياته. وفي هذا السياق نستذكر المثل العربي: «رُبَّ كلمةٍ قالت لصاحبها: دَعْنِي». وأيضًا يقول النبي ﷺ: وهل يُكِبُّ الناسَ في النار على وجوههم إلا حصائدُ ألسنتهم؟، والحصاد استعارةٌ تستحقّ التأمّل؛ تُخبرك أنَّ الكلمة بذرٌ يُلقى في أرضٍ لا تنسى. أنت لا تحصد إلا ما زرعت: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۝ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. وإن الندم قد يبدأ من شيءٍ صغير: من كلمةٍ لم تُوزن، ومن عبارةٍ لم تُحرس، ومن لسانٍ أُطلق بلا تفكير؛ فالكلمات لا تموت حين تُقال، بل تبدأ حياتَها حينئذٍ؛ تمضي إلى القلوب، وتستقرّ في الذاكرة، وتكتب لصاحبها أو عليه.

قال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾.
——————————————
والحُسن هنا أمرٌ إلهيٌّ مطلق، غير مقيَّد، إنما هو حقٌّ مكفولٌ للجميع، ويعني الحسن في الهيئة وفي المعنى. ففي الهيئة أن يكون لطيفًا ليِّنًا، وفي المعنى أن تقول الخير الحسن الذي يحمل البشارة، من مبدأ أنَّ دائمًا هناك فرصة، وهناك ما يمكن إصلاحُه: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾.
الكلمات رهائنُ الموقف؛ قد تُورق في القلب قصيدة، أو تخرج لنا من الغمد سيفًا. وقد وصف نبينا، عليه أفضل الصلاة والسلام، قوةَ الكلمة: «لقد قلتِ كلمةً لو مُزجت بماء البحر لمزجته».

المرء مخبوءٌ تحتَ لسانهِ
———————————-
قال الإمام عليّ: تكلَّموا تُعرفوا؛ فإنَّ المرء مخبوءٌ تحتَ لسانهِ، وما أضمر أحدٌ شيئًا إلا ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه؛ فإنَّ الوجه يشرب من ماء القلب.
اللسان نافذةُ الداخل، ومرآةُ القلب، وترجمانُ الفكر، ورسولُ العقل، ومفتاحُ شخصية الإنسان، وكثيرٌ من هذا وذاك. الناس يسترهم الصمت، وإذا تكلَّموا انكشف ما وراءهم؛ انكشف عقلُهم، وأدبُهم، ووعيُهم، وتربيتُهم، ونُبلُهم، أو عكسُ ذلك كلِّه.
وحين قالت العرب: «نصفُ جمالِ الإنسانِ في لِسانِهِ»، كانت إشارةً إلى الجمال العميق الذي لا يُرى بالعين، بل يُدرَك بالأثر. قد يمرّ عليك وجهٌ حسن، وهيئةٌ لافتة، وحضورٌ يسرق الانتباه، ثم لا يلبث أن يتكلّم حتى يتبدّد ذلك كلّه، ويسقط أمام الكلمة.
وقد نرى آخرَ لا يستوقفك في أول الأمر، ولا يلفت نظرك ظاهرُه، حتى إذا نطق انفتح في حضوره شيءٌ لا يُرى: هالةُ الحضور، وبهاءُ الكاريزما. ولهذا كانت الوسامة العقلية موضعَ الجمالِ الأشدِّ بقاءً، حينما يكون العقل قادرًا على النقاش الهادف، المتبوع بحوارٍ يؤمن بالاختلاف، ومحفوفًا باللطف والفهم.
جمالُ اللسان، في الحقيقة، ليس نصفَ جمالِ الإنسان فحسب، بل هو جمالُه حين ينكشف، وحقيقتُه حين تتكلّم، وروحُه حين تلبس صوتًا.

الناسُ مع ألسنتهم ثلاثةُ أصناف: حكيمٌ، ونَزِقٌ، وجاهلٌ.
—————————-
أمّا الحكيم، فيقوده عقلٌ حاضر، ودينٌ زاجر، يعرف مواضعَ الكلمة: متى تُكرم، ومتى تجرح، ومتى يكون الصمتُ أبلغَ من البيان. يعلم أنَّه أقدرُ على ردّ ما لم يقله من ردّ ما قاله، وأنَّ الكلمةَ إذا خرجت ملكتْ صاحبَها، وإن حبسها ملكَها. لذلك يكون حكيمًا حين ينطق، وحكيمًا حين يسكت، ويؤثر أن يُقال: ليته تكلَّم، على أن يُقال: ليته سكت.
وأمّا النَّزِق، فتقوده ثورةُ الطيش، لا بصيرةُ العقل؛ يرسل لسانه بلا زمام، فلا يزن لفظًا، ولا يقدِّر أثرًا، ولا يستحضر مآلًا. تختلط عنده ألفاظُ القرب بألفاظِ الجفاء، والمدحُ بالذم، واللينُ بالفظاظة؛ لأن الذي يحكم لسانَه ليس الحكمة، بل الغضب. فلا يفيق إلا بعد أن يسبقَه كلامُه، ثم يتبعه الندمُ والاعتذار.
وأمّا الجاهل، فهو بلسانه عدوُّ نفسه قبل أن يكون عدوَّ غيره؛ لأن الجهلَ أصلُ البلاء، ومن جهل قدرَ اللسان جهل خيرَ ما يقول وشرَّه، ولم يعرف متى ينطق ومتى يصمت. فالجاهل لا يفسد على نفسه فحسب، بل يكشف نقصه كلما أراد أن يعبِّر.
فالحكيمُ يملك لسانَه، والنَّزِقُ يطلقه، والجاهلُ يجهل قدرَه؛ وبين هذه الأصناف الثلاثة تتجلّى حقيقةُ الإنسان.

اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي لِسَانِي نُورًا.
—————————————
اللسان الصالح ضياءٌ ونور، واللسان الفاسد قَتَرٌ وظلمات، وحسبكم في ذلك دعاء المصطفى: «اللهم اجعلْ في قلبي نورًا، وفي لساني نورًا…». كما أن البلاء موكَّلٌ بالمنطق، وقيل: «البلاءُ موكَّلٌ بالقول». ومعناه: ألَّا يعجلَ المرءُ على نفسه بالكلام، فيكونَ فيه هلاكُه، أو يوافق ساعةَ استجابة، فيصادف قولُه قدرًا سبق في علم الله عز وجل.
فلينظر المرء ما ينطق به لسانه؛ فإن تغليب الفأل في الكلام، والترفع عن سوء الظن، من هدي سيد المرسلين؛ فإنه دخل مرةً على أعرابيٍّ يعوده، فقال: «لا بأس، طَهورٌ إن شاء الله». قال: قلتَ: طَهورٌ؟ كلا، بل هي حُمّى تفور، أو تثور، على شيخٍ كبير، تُزيره القبور. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فنَعَمْ إذًا. وفي بعض الروايات أن الرجل مات اليوم الذي يليه.
وأيضًا رُوي عن امرأة فرعون أنها لما وجدت موسى، عليه السلام، في التابوت قالت لفرعون: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾، فردَّ فرعون: قُرَّةُ عينٍ لك، أمّا لي فلا.
قال محمد بن قيس: قال رسول الله ﷺ: لَوْ قَالَ فِرْعَوْنُ: قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكِ، لَكَانَ لَهُمَا جَمِيعًا.

 

إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬