العشر الأواخر… حين تضيق الدنيا ويتسع باب السماء

بقلم الكاتبة: فاطمة عواجي
حين تقترب العشر الأواخر من رمضان، يدرك المؤمن أن الطريق إلى نهاية الشهر قد قارب، وأن ما بقي من هذا الموسم العظيم قليل… لكنه ثمين. إنها أيام ليست كبقية الأيام، بل لحظات يفيض فيها الزمن بالبركة، وتُفتح فيها أبواب السماء على مصاريعها لمن قصد الله بقلب صادق.
كان الصالحون إذا دخلت هذه الليالي شمّروا السواعد وتركوا المقاعد، كأنهم يستعدون لسباق لا يُعوّض. يعلمون أن هذه الفرصة لا تتكرر إلا مرة في العام، وأن الإنسان لا يدري هل يدرك رمضان القادم أم يكون هذا آخر رمضان في حياته.
في هذه الليالي يسكن الضجيج، ويعلو صوت القلوب وهي تناجي ربها. يقف العبد في ظلمة الليل، بينه وبين الله دعوة، دمعة، ورجاء… فيبث همومه، ويضع آماله كلها في يد الرحمن. فكم من قلبٍ انكسر في السجود فجبَرَه الله، وكم من دعوةٍ خرجت من قلبٍ صادق ففتح الله بها أبوابًا لم تكن في الحسبان.
العشر الأواخر ليست مجرد زيادة في العبادة، بل هي لحظات مصالحة مع النفس ومع الله.
لحظات يعود فيها الإنسان إلى ربه، يستغفره عن تقصيره، ويطلب منه صلاح الحال، وراحة القلب، وبركة العمر.
وفيها ليلة عظيمة، ليلة القدر، ليلة خير من ألف شهر، ليلة قد تغيّر مسار حياة كاملة بدعوة واحدة صادقة. لذلك كان النبي ﷺ إذا دخلت العشر الأواخر أحيا ليله، وأيقظ أهله، وشدّ مئزره، إحياءً لهذه اللحظات التي لا تعوّض.
فيا من أدركت هذه الليالي المباركة…
اترك المقاعد وشمّر السواعد.
املأ ليلك بالقرآن، واجعل سجودك طويلاً، وأكثر من الدعاء. اطلب من الله أمانيك، وصلاح أحوالك، وسعة صدرك، وبركة حياتك. فالله كريم، يسمع الهمس قبل الجهر، ويعلم ما في القلوب قبل أن تنطق به الألسن.
لا تؤجل دعوة في قلبك، ولا تمنع دمعة في سجودك، ولا تتردد في أن تطرق باب الله مرارًا. فرب دعوة في ليلة من هذه الليالي، تكون سببًا في فرجٍ ينتظرك منذ سنوات.
العشر الأواخر… أيام قليلة،
لكنها قد تغيّر ما تبقى من العمر كله.



