مقالات

نعمة الأمن وأسباب دوامه

حسن بن محمد منصور الدغريري

حسن بن محمد منصور الدغريري

بسم الله الرحمن الرحيم

   الحمدلله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وعلى آله ، وصحبه ، ثمَّ أمَّا بعد :

أخي القارئ الكريم : إنَّ الأمن له أهمية عظمى في المجتمعات البشرية ، فمتى ضاع الأمن فيها بسبب الحروب الطاحنة ، أو الخروج على ولاة الأمور في بلدانهم ، سيأتي بعد ذلك الخوف بعد الأمن ، والجوع بعد الشبع ، والفقر بعد الغنى ، والمرض بعد الصحة والعافية ، وهلاك الأموال بعد نمائها ، وسفك الدماء بعد عصمتها ، وهجران المساجد بعد عمارتها ؛ إلى غير ذلك من المفاسد التي تترتب على ذهاب الأمن وضياعه في تلك البلدان ؛ لذا ذكر الله تعالى الأمن في كتابه العزيز ، وبين أهميته نبي الهدى صلوات الله وسلامه عليه في سنته المطهرة ، وصدق الله تعالى إذ يقول : – وإذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ – الرعد : 35 وقال تعالى : – أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ – الأنعام : 57 وقال صلى الله عليه وسلم : – مَن أَصبَحَ آمِناً فِي سِربِهِ – أي نفسه – مُعافَىً فِي جَسَدِه عِندَّهُ طَعامُ يَومِه فَكأنَّما حِيزَتْ لَهُ الدُّنيَا – رواه الترمذي في سننه ، وحسنه الألباني في الصحيحة برقم 2318 .

معاشر القراء : إنَّ الواجب علينا تجاه النعم هو ذكرها ، ليشكر اللهَ عليها ، وصدق الله تعالى إذ يقول : – وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ – الرعد : 7 .

إخواني : إنَّ من أعظم النعم علينا في بلادنا السعودية بعد توحيد الله ، وطاعته : هو نعمة الأمن ، واستقراره ؛ والذي ضرب أطنابه في أرجاء هذا الوطن الآمن منذ تأسيس هذه البلاد ، ولله الحمد والمنة ، وإنَّ من أسباب استقرار هذا الأمن بيننا ، واستتبابه في بلادنا الحرص على عقيدة التوحيد حكاماً ومحكومين ؛ تعليما ، وتطبيقا وتمسكاً ؛ والحذر من الشرك ، والبدع ، وأنواع الفسوق والعصيان ، وصدق الله تعالى إذ يقول : – فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ – وقال تعالى : – رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ – البقرة : 126 وقال صلى الله عليه وسلم : – عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي ، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ تمسكوا بها ، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ ، وَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ – رواه أحمد ، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح برقم 165 وقال صلى الله عليه وسلم : – يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ : لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ ، وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا ، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ ، وَشِدَّةِ الْمَؤونَةِ ، وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ ، إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا ، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ ، وَعَهْدَ رَسُولِهِ ، إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ ، فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ – رواه ابن ماجه في سننه ، وصحح الحديث الألباني في صحيح الجامع .

معاشر القراء : من أسباب استتباب الأمن في بلادنا أن نكون يداً واحدةً مع ولاة أمورنا ، والمسؤولين في بلادنا ، ضد أهل الشر والفساد ، ومن تسول له نفسه المساس بأمن وطننا ، وشقِّ وحدتنا ، وتسلط أعدائنا علينا ، ومن ذلك ما ينشر من الإشاعات الكاذبة عن بلادنا ، وولاة أمرنا ، والمسؤولين في بلادنا ، ورجال أمننا ؛ وعلمائنا ، وغيرهم ، فلنحذر من دعاة الفتنة ، من داخل بلادنا وخارجها ، والذين ينشرون تلك الأخبار الكاذبة في مثل هذه الأيام ، عبر قنوات الإعلام المتنوعة ، ومواقع التواصل الاجتماعي المختلفة ، والتي لا أساس لها من الصحة ، ووجوب التثبت في الأمور كلِّها ، وأخذ الأخبار والأحداث من مصادرها الموثوقة الرسمية ، وصدق الله تعالى إذ يقول : – وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاَّ قَلِيلاً – النساء : 83 وقال صلى الله عليه وسلم : – كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ – رواه أبو داود في سننه ، وصحح الحديث الألباني في الصحيحة برقم 2025 .

إخواني القراء : علينا أن نترك القيل والقال ، والخوض في الأحداث العامة ، والأزمات المدلهمة لأهلها من ولاة الأمر ، ومن وكَّلهم في ذلك لحمايتنا ، وحفظ أمننا ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : – مِنْ حُسْنِ إِسْلاَمِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيهِ – .

وعلينا معاشر القراء : أن نشتغل في هذه الأحداث والأزمات ، وغيرها بعبادة ربنا تعالى ، والقيام بما ينفعنا في ديننا ودنيانا ، وسؤال الله أن يجنبنا ، وبلادنا ، وأهلها ، والمقيمين فيها كلَّ شرٍّ ومكروه ، وأن يحفظ علينا قادتنا ، ورجال أمننا من كل معتدٍ خوان يسعى في بلادنا بالشر والفساد .

معاشر القراء : إنَّ مما يَفرح به أعداء الوطن والمواطن ، ويعرض مصالح البلاد والعباد للخطر ، ويزيد الأعداء تمادياً في عدوانهم ، واعتداءاتهم الآثمة على بلادنا ، وبلاد المسلمين : تصوير الأشياء المحظورة ، ونشر ما يقع من أحداث أمنية عبر كلٍّ وسيلةٍ ، وإعلام ، والتي تضر بالبلاد ومصالحها ، وأمنها ، واستقرارها ، والخيرات في ديارها ، فالحذر كلَّ الحذر من فعل ذلك ، ومن وقع في تصوير ما لا يجوز تصويره منها ، ونشره ، وتسبب في تخويف الناس ، وترويعهم ، فقد باء بالإثم العظيم ، وعرض نفسه للمساءلة ، والعقوبة الشديدة من الدولة أيدها الله ، والعاقل البصير من يحذر من مثل ذلك ، ويكون عيناً ساهرةً ، لأمن بلاده ، فبلدٌ لا نحميه ، لا نستحق العيش فيه ، والله نسأل صلاح أنفسنا ، واستقامتها ، وأن يرينا الحق حقَّا ويرزقنا اتباعه ، وأن يرينا الباطل باطلاً وأن يرزقنا اجتنابه ، وأن يحفظ بلادنا السعودية ، وأمنها ، وإيمانها ، وقيادتها ، ومقدساتها ، ورجال أمنها ، والمسؤولين في ديارها ، والخيرات في أرجائها ؛ وجميع بلدان المسلمين ؛ من عدوان المعتدين ، وصلف البغاة الظالمين ، اللهم عليك بأعداء الدين فإنَّهم لا يعجزونك ، اللهم إنا نعوذ بك من شرورهم ، وندرأ بك في نحورهم ، اللهم ووفق ولي أمرنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز لما تحبه وترضاه ، وألبسه لباس الصحة والعافية يا رب العالمين ، ووفق ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان على شؤون دينه ودنياه ، واجعل له من كل همٍّ فرجاً ، ومن كل ضيقٍ مخرجا ، ومن كل بلاءٍ وفتنةٍ عافية يا أرحم الراحمين ، اللهم احفظ جنودنا المرابطين على ثغور بلادنا براً ، وبحراً ، وجواً ؛ من كلِّ شرٍّ ومكروه ، اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها ، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة ، وتوفنا مسلمين ، وألحقنا بالصالحين ، واجعلنا من ورثة جنة النعيم ، ووالدينا ، ووالديهم وجميع المسلمين إنَّك أنت البر الرحيم ؛ اللهم آمين .

آداب واجبة ومستحبة في شهر الصيام

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬