مقالات

العدو غير المرئي… ماذا يفعل الجلوتين داخل جسم مريض السيلياك؟

بقلم الكاتبة: حنان سالم باناصر 

بقلم الكاتبة: حنان سالم باناصر 

قد يبدو الامتناع عن الجلوتين للبعض مجرد خيار غذائي أو موضة صحية عابرة، لكن الأمر يختلف جذريًا حين يتعلق بمرض الداء البطني. ففي هذا المرض المناعي، لا يدور المشهد حول انزعاجٍ هضمي عابر، بل حول معركة صامتة تبدأ داخل الأمعاء الدقيقة في كل مرة يتسلل فيها الجلوتين إلى الجسم. معركة لا تُرى بالعين المجردة، ولا تُقاس دائمًا بسرعة ظهور الأعراض، لكنها تترك أثرًا تراكميًا قد يمتد لسنوات إن لم يُدرك المريض حقيقة ما يجري في الداخل. فما الذي يحدث فعليًا حين يتناول مريض السيلياك قطعة خبز صغيرة ظنًّا أن “القليل لا يضر”؟

عند تناول مادة الجلوتين – الموجودة في القمح والشعير والجاودار – يتعامل الجهاز المناعي لدى مريض السيلياك معها كجسم غريب وخطر، فيبدأ بمهاجمة بطانة الأمعاء الدقيقة نفسها، مما يؤدي إلى تلف الزغابات المعوية؛ تلك النتوءات الدقيقة المسؤولة عن امتصاص العناصر الغذائية. ومع تكرار التعرض، يتراجع الامتصاص تدريجيًا، وتبدأ سلسلة من الاضطرابات التي قد لا يربطها المريض بالأمعاء أساسًا.

فقر دم متكرر رغم تناول المكملات، إرهاق مزمن بلا سبب واضح، نقص في فيتامين د، اضطرابات في الكالسيوم، تساقط شعر، تقلبات مزاجية، أو حتى هشاشة مبكرة في العظام… كلها قد تكون انعكاسًا لضرر صامت يحدث في الداخل، بينما يبدو المريض في ظاهره بصحة جيدة.

وهنا تكمن خطورة المفهوم الشائع: “الكمية البسيطة لا تضر”.. في مرض مناعي كالسلياك، ليست المسألة كمية كبيرة أو صغيرة، بل استجابة مناعية تُستثار بمجرد التعرض. قد لا تظهر أعراض فورية، لكن الالتهاب قد يُعاد تنشيطه، وتعود معه دائرة التلف من جديد.

الجلوتين بالنسبة لمريض السيلياك ليس خيارًا غذائيًا يمكن التهاون به، ولا تجربة يمكن تكرارها بدافع المجاملة أو الفضول. هو عنصر يُعيد إشعال معركة داخلية لا تُرى بالعين، لكنها تؤثر في جودة الحياة على المدى البعيد.

إن فهم ما يحدث داخل الجسم يمنح المريض وعيًا أعمق من مجرد الالتزام بالقائمة المسموحة والممنوعة. إنه التزام نابع من إدراك بأن كل احتياط يُتخذ اليوم هو استثمار في أمعاء سليمة، وعظام أقوى، وطاقة أكثر استقرارًا غدًا.

فالسيلياك لا يطلب كثيرًا… لكنه لا يقبل التجربة.. وفي الأمراض المناعية، الوعي ليس خيارًا إضافيًا، بل خط الدفاع الأول.

 

 

السيلياك… التشخيص الغائب خلف القولون

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬