الأجهزة… بين نعمة الاستخدام وخطر الاستهلاك

بقلم الكاتبة: فاطمة عواجي
في زمنٍ أصبحت فيه الأجهزة الذكية جزءًا من تفاصيل حياتنا اليومية، لم يعد الهاتف مجرد وسيلة اتصال، ولا الحاسوب مجرد أداة عمل، بل تحوّلت الشاشات إلى عالمٍ كامل نحمله في جيوبنا. نضحك عبرها، نتعلم منها، ننجز أعمالنا من خلالها، ونتواصل مع من نحب رغم المسافات. إنها نعمة عظيمة، ولكن كل نعمة تحتاج إلى وعيٍ يحفظها من أن تنقلب إلى عبء.
الأجهزة بحد ذاتها ليست خطرًا، فهي أدوات صامتة تنتظر من يوجّهها. إن أحسنا استخدامها، كانت بابًا واسعًا للمعرفة، ومنصةً للإبداع، ووسيلةً للكسب الحلال، وجسرًا يصل القلوب. بها يتعلم الطالب، ويطوّر الموظف مهاراته، وتدير الأم شؤون بيتها، وينشر الداعية كلمته الطيبة. لكنها في المقابل قد تتحول إلى سارقٍ للوقت، ومشتتٍ للانتباه، ومصدر ضغطٍ نفسي إن استُهلكت بلا ضابط.
كم من ساعاتٍ تمضي دون أن نشعر ونحن نتنقل بين التطبيقات بلا هدف واضح؟ وكم من لقاءٍ عائليٍ فقد دفأه لأن كل فرد انشغل بشاشته؟ وكم من طفلٍ تعلّم الصمت أمام الجهاز بدل أن يتعلم الحوار مع أسرته؟ المشكلة لا تكمن في التقنية، بل في غياب التوازن.
إن تحويل الأجهزة إلى أدوات فائدة يبدأ بقرارٍ شخصي. أن نحدد أوقاتًا واضحة للاستخدام، وأن نغلقها حين يحين وقت العبادة أو العائلة أو الراحة. أن نختار المحتوى الذي يضيف لنا علمًا أو مهارة، وأن نتجنب ما يرهق النفس ويزرع المقارنات السلبية. وأن نكون قدوةً لأبنائنا، فنعلّمهم أن التقنية وسيلة لا غاية، وخادمٌ لا سيّد.
نحن بحاجة إلى ثقافة “الاستخدام الواعي”، حيث تكون الشاشة بابًا للتطوير لا للهروب، ومنصة للبناء لا للهدم. فكما نحرص على نظافة بيوتنا وأجسادنا، يجب أن نحرص على نظافة عقولنا مما يدخل عبر هذه الشاشات.
الأجهزة يمكن أن تكون نورًا يضيء دروبنا، أو ضجيجًا يشتت خطواتنا. والفرق بين الأمرين ليس في حجم الشاشة، بل في وعي المستخدم. فلنجعلها وسيلة خيرٍ ومعرفة، ولنُبقِ قلوبنا متصلة بمن حولنا قبل أن تتصل أيدينا بالإنترنت.



